عودة إلى قرع الأجراس

قدر كبير من الأسى والرمزية يلتبس على القارئ فلا يعرف “لمن تُقرع الأجراس؟!” هل هي تُقرع لمن يظلمون ويعربدون، أم لمن يُطلب منهم القتال أم للثائرين في المدن، أم للحرب البغيضة نفسها؟
الأحد 2019/01/20
ثورات طلاب الحرية في الدنيا كلها والأزمان كلها تتشابه

في ذات مرحلة من أيام الشباب اليافع، أخذتنا الرواية بعنوانها الاستفهامي “لمن تُقرع الأجراس؟!” إلى رحلة مهيبة في أغوار النفس البشرية. والكاتب هو الأميركي أرنست همنغوي، الذي تُعتبر حياته نفسها بتفاصيلها وترحالها، منذ أن ولد في ولاية إلينوي حتى انتحاره في كوبا صيف العام 1961؛ أمّ الروايات المثيرة للدهشة. فقد عاش همنغوي معاديا للفاشية وللظلم الاجتماعي، وظل يتمثل أغوار الإنسان المفعم ألما!

لم يزد الحقل الزمني لروايته الباهرة “لمن تُقرع الأجراس؟!” عن أربعة أيام من وقت الحرب الأهلية الإسبانية. كان “روبرت” الشاب الأميركي -كما همنغوي في الواقع- مكلف بتنفيذ مهمة تفجير جسر استراتيجي وراء خطوط الفاشيين، وبرفقته العجوز “أنسيلمو” وصديقته الإسبانية “ماريا”. وفي تفاعلات المقاتل وانفعالاته كإنسان، قبل تنفيذ المهمة، يغوص الكاتب في دواخل الإنسان أثناء المحن والحروب والآلام. يفرز بين الغث والسمين، الصالح والطالح، قاصدا تعيين الفارق بين من يحب بلاده فعلا ومن يعمل من أجل حريتها، وكرامة أهلها، والتمكين لهم من حقول العمل والعيش المريح؛ وعلى الجانب الآخر، مَن يركب موجة الثورة والوطنية لكي يصفي خصومه ويتربح ويفعل الذميمة تلو الأخرى، باسم الثورة أو المقاومة أو العمل على خلاص البلاد والعباد!

ولأن ثورات طلاب الحرية في الدنيا كلها والأزمان كلها تتشابه، فقد اجتذبت الرواية بعد ترجمتها إلى معظم اللغات، جماهير غفيرة من القراء الشباب، لتبيع طبعاتها في السنة الأولى من صدورها (العام 1948) أكثر من مليون نسخة. ويتألق المترجم العربي الشهير الراحل خيري حماد (الفلسطيني من نابلس) في نقل الرواية، بأحاسيسها، إلى قراء اللغة العربية. كانت المعاني البليغة تكمن في بطون الجُمل: إن البشر الذين ينضوون تحت رايات الثورات، فيهم النبيل وفيهم من تكمن في أعماقه خسة تكبر مع الزمن ومع الأحداث والفرص.

في أيام قراءتي الرواية، كنت في السجن، أتأمل اللقطات الشهية التي تعرض صورا سريعة عابرة، من علاقة “روبرت” في الأدغال، مع رفيقته “ماريا”. فالحب يلوّن جوهر الموقف على سرير من قماش، موصولة أطرافه بجذوع الأشجار. يلونه بكل ما هو إنساني وشيّق، وما يتبدى شجيا في أصعب لحظات الألم والحيرة والانسداد، وفي الليالي الحالكات!

ينفعل “روبرت” في حديثه إلى “ماريا” ويقول “أحبك.. وحبي لك يُضاهي كل ما نحارب من أجله.. أحبك كما أحب الحرية والكرامة وحق الناس في العمل والأمان من الجوع.. وكما أحببت مدريد التي دافعنا عنها.. وجميع الرفاق الذين قضوا على طريق حريتها”.

قدر كبير من الأسى والرمزية يلتبس على القارئ فلا يعرف “لمن تُقرع الأجراس؟!” هل هي تُقرع لمن يظلمون ويعربدون، أم لمن يُطلب منهم القتال أم للثائرين في المدن، أم للحرب البغيضة نفسها؟

24
مقالات ذات صلة