عودة إلى مربع الحرب الباردة

الخميس 2015/10/15

كثيرا ما تُتهم لجنة نوبل بإيثارها النضال السياسي على القيمة الأدبية لهذا المتراهن على جائزتها أو ذاك، وعادة ما تردّ على تلك التهم بأن الآراء السياسية والانتماءات الأيديولوجية لا تقف حائلا دون اختيارها، ولا تحرض عليه، ولكن الواقع يخالف ذلك، فكم من كاتب توّجته لا يتوافر فيه ما يتوافر لغيره من المرشحين، ولا يتميز عنهم إلا بمواقفه السياسية المعلنة، المناهضة لسياسة بلده، خصوصا إذا كان منتميا إلى الكتلة الشيوعية أو الأنظمة الشمولية في أميركا اللاتينية وآسيا وإفريقيا، أو المعبرة عن أزمة سياسية راهنة، وكأنها تتخذ من تلك الجائزة سلاحا تناجز به تلك الأنظمة، وتنتقد من خلالها تلك الأيديولوجيات. وكم من كاتب أدارت له ظهرها لأنه لم يعلن الحرب على طغاة بلاده، كالأرجنتيني بورخس مثلا، أو لأنه شيوعي كاليوناني كازنتزاكيس والتركي يشار كمال.

ولم يشذّ فوز البيلاروسية سفيتلانا أليكسيفيتش هذا العام عن تلك الرؤية، فالكاتبة، وإن سعت طوال ثلاثين عاما إلى نقل شهادات أناس بسطاء (راجع قراءتنا لكتابها “نهاية الإنسان الأحمر” بجريدة العرب) ، سواء منهم من ناله الضّرّ تحت الحكم السوفييتي، أو من يحنّ إلى تلك الفترة، ويرى في بوتين الرجل الذي يعيد إلى الروس مجدهم الغابر، بأسلوب يمزج بين السرد التخييلي والريبورتاج الصحافي والتوثيق التاريخي، لتبلّغ أصواتهم في شكل مستحدث وضع له بعض نقادها مصطلح “رواية الأصوات” سيرا على نهج مواطنها أليس أداموفيتش في جمع شهادات ضحايا الحقبة الستالينية، فإن تتويجها في هذه المرحلة التي شهدت تغوّل بوتين وتحديه الغرب واستعراضه عضلاته في أوكرانيا وسوريا، يعود بنا إلى مربع الحرب الباردة، حين كان كل صوت ناشز يحظى من الغرب بالتهليل.

وقد رأى بعض المحللين في اختيارها وخزة لإيقاظ أوروبا من سباتها، وتنبيهها للخطر الروسي المحدق الذي عاد يقضم أراضي الجمهوريات السوفييتية السابقة، وإدانة لسياسة بوتين التوسعية وسياسة الموالين له في المعسكر الشرقي المنحل، خصوصا وهي من أشد معارضي النظام في بيلاروسيا، وبعض كتبها لا تزال محظورة في بلادها.

وليس أحب إلى لجنة نوبل من إسناد جائزتها إلى معارض لسياسة موسكو، سوفييتية كانت أم بوتينية. وبعد نايبول الذي وُهب الجائزة عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر لعدائه السافر للإسلام، ها أن لجنة نوبل تختار كاتبة صحافية لا ترقى إلى مستوى منافسيها في هذه الدورة كميلان كونديرا وفيليب روث وهاروكي موراكامي وحتى كورماك مكارتي، لمجرد كونها مناضلة تعارض الروس وحلفاءهم وتعري ماضيهم وحاضرهم.

كاتب من تونس مقيم بباريس

15