عودة الآنسة جوليا

كلما شاهدت المسرح الإنكليزي شعرت بالحسرة على ما وصله حال مسرحنا، بعد أن فقد اهتمامه بروائع المسرح العالمي وأصبح منكفئا على نفسه، يجتر مسرحياته التجارية المسلية التي لم تعد تسلي أحدا.
الأربعاء 2018/09/12
صراع مكتوم بين الشخصيات

في كل مرة أذهب إلى المسرح في لندن أشعر بالغيرة، ولا أقصد المسرح التجاري الاستعراضي الذي يقبل عليه عادة زوار المدينة من السياح الذين يتدفقون عليها باستمرار، صيفا وشتاء، بل المسرح الجاد الذي يقدّم المسرحيات الشهيرة مثل أعمال شكسبير ويوجين أونيل ودورنمات وبريخت وغيرهم، وهي أعمال تعرض باستمرار في العواصم الأوروبية التي تحترم ثقافة المسرح.

هذه المرة كنت حريصا على الذهاب لمشاهدة المعالجة الجديدة لمسرحية “مس جوليا” لسترندبرغ السويدي التي يعرضها “المسرح الوطني” الإنكليزي.

أما سبب الغيرة، فهو أن الجمهور دائما، يملأ جميع مقاعد المسرح رغم ارتفاع أسعار التذاكر وضرورة حجزها مسبقا قبل فترة طويلة، أي على العكس من دور السينما التي تعاني من تراجع جمهورها بدرجة مرعبة.

العرض الذي حضرته لم يكن عرضا مسائيا، بل بعد الظهيرة، أي في أوقات العمل، ورغم ذلك، كان المسرح ممتلئا عن آخره بالجمهور.

العرض الجديد لمسرحية “مس جوليا” للكاتب السويدي الشهير أوغست سترندبرغ (1849-1912) من إعداد بوللي ستينهام وإخراج كاري كراكنويل، وهو يمتلئ بالحركة والرقص التعبيري والموسيقى الصاخبة على الأقل خلال النصف ساعة الأولى من المسرحية التي تدور في فصل واحد ممتد لمدة ساعة وربع.

الديكور يقسم المسرح إلى طابقين: ومعظم الأحداث تدور في الطابق الأسفل، حيث توجد الخادمة كريستين، والخادم جان، والمعالجة عصرية تنقل المسرحية من العصر الذي كتبت فيه في العام 1888 إلى الزمن الحالي، ومن السويد، إلى منزل عصري في ضواحي لندن، واللغة المستخدمة هي لغة الحديث اليومي الإنكليزية العادية.

والصراع المكتوم بين الشخصيات الثلاث (الباقي شخصيات ثانوية لا تتكلم، بل تتحرك وترقص وتتمايل وتترنح بتأثير الثمالة)، هو صراع يلمس الفروق الطبقية والعرقية، لكنه يتعلق أساسا، بمحنة الوجود الإنساني. تختفي الصفة التي تسبق اسم البطلة لتصبح “جوليا” فقط، وهي واقعة تحت تأثير الخمر من البداية إلى النهاية، إنها تحتفل بعيد ميلادها مع أصدقائها، وقد قرّرت رفع الكلفة مع الخدم، وأخذت تتمادى في إغواء الخادم جان.

وبعد أن يستجيب لها، يبدأ الانهيار ومقاومة الانهيار، بالتعالي والقسوة والإهانة والسادية وإذلال جان، ولكن في الوقت نفسه، يتعمق شعورها بالهوان.

المخرجة جعلت كريستين وجان (السائق والخادمة) من أصول أفريقية، أما جوليا فهي سيدة إنكليزية من الطبقة الوسطى، وجعلت جوليا وليس جان، هي التي تقتل عصفورها بطريقة شنيعة عندما تضعه داخل “الخلاط” وتدير الجهاز لتسحقه سحقا في نوبة اضطراب عصبي حاد.

الممثلة فانيس اكيربي أدت الدور ببراعة وكانت تتحرك طيلة الوقت، وتتخذ أوضاعا تبدو تارة مثيرة لكي تغري جان، وتارة أخرى تنم عن توترها وتكشف عن ساديتها وعنفها الداخلي ورغبتها في الفتك بالأدنى. لكن المشكلة أن صوت الممثلة لم يكن يصل بوضوح تام إلى حيث كنت أجلس في منتصف قاعة المسرح، وقد تعلمنا أن ممثل المسرح يجب أن يصل صوته إلى الجالسين في الصف الأخير.

أما الممثل إريك كوفي أبريفا الذي قام بدور جان، فكان صوته قويا واضحا، لكنه بدا جامدا في الدور، بينما كانت زميلته ثاليسا تكسيرا (في دور كريستينا) الأفضل بين الثلاثي.

مؤلف المسرحية سترندبرغ كان يعاني كثيرا في طفولته التعيسة فقد ولد نتيجة علاقة أبيه بخادمته قبل أن يتزوجها، وقد عرف بتقلبه بين المذاهب الفنية المتعددة، لكن “جوليا” تنتمي للمذهب للطبيعي ويقال إن تأثير اكتشافات داروين ونظريته في التطور، قد انعكس أيضا على رؤية سترندبرغ لشخصياته في تطورها الدرامي والنفسي، فهو يعكس رغبة الأدنى ولكن الأقوى، في البقاء والصعود بينما الأرقى المتفوق طبقيا هو الذي يهوى، لأنه يحمل بذور نهايته في داخله.

كلما شاهدت المسرح الإنكليزي شعرت بالحسرة على ما وصله حال مسرحنا، بعد أن فقد اهتمامه بروائع المسرح العالمي وأصبح منكفئا على نفسه، يجتر مسرحياته التجارية المسلية التي لم تعد تسلي أحدا!

16