عودة الإرهابيين إلى بلدانهم: زمن التخلص من فائض الأدوات

دراسة طرق تزود التنظيمات الإرهابية برأسمالها البشري، تشير إلى المغريات الدينية التي تتكئ عليها لاستقطاب الشباب، لكنها تشي أيضا بأن عمليات الاستقطاب والتجنيد والتسفير والإعداد للقتل والتفجير، تكتنفها أبعاد أخرى تتجاوز قدرات وطاقات التنظيمات الإرهابية ذاتها، فهي عمليات تتداخل فيها مصالح القوى الكبرى ورغباتها كما التقاطع بين أوهام الجهاديين ومصالح القوى. زاوية لا تلغي أهمية مسوغات وأدبيات كثيرة اعتمدت عليها التيارات الإرهابية، إلا أنها تحيل أيضا إلى أن للقضية أكثر من مدخل. فكرة تأكدت مع بدء عودة العناصر الجهادية إلى بلدانهم في ما عد بمثابة انتهاء الدور وبدء التخلص من الأدوات الفائضة عن الحاجة.
الجمعة 2017/02/10
من فتح الباب بدأ يوصده

بدأ إرهابيو تونس في العودة بطريقة منظمة إلى بلادهم. يمكن القول، مجازا، إنهم عادوا بعد إنجاز مهمتهم. لا حاجة إلى الاستفهام عن طبيعة تلك المهمة.

فما يحدث في العراق وسوريا يكفي لقول جزء من حقيقة تلك التنظيمات التي انتمى إليها أولئك الشباب الذين كانوا، ولا يزالون، مستعدين لتأجير خدماتهم في سياق عمل شركات أمنية، صارت أجهزة المخابرات الدولية تستعملها في حروب، يغلب عليها طابع المتاجرة بقضايا عادلة. كما هو حال الثورة السورية التي انتهت إلى سوق لترويج بضائع أكثر الحركات المتمردة فسادا من جهة ارتباطاتها التي لا تقع خارج الشبهات.

لقد أُتهم النظام السوري بتقديم التسهيلات لتنظيم القاعدة من أجل الدخول إلى العراق مخترقا حدوده الغربية بعد الاحتلال الأميركي في العام 2003. لم يكن ذلك الاتهام منطقيا، غير أن سياسيي العراق الذين احتموا بذلك النظام أيام معارضتهم قد اعتمدوه من أجل أن يحيلوا مشكلاتهم إلى أصول إقليمية، وبالأخص إذا ما تعلق الأمر بجيران العراق من العرب. لذلك لم يكن مستغربا أن أولئك السياسيين لم يشيروا، لا من بعيد ولا من قريب، إلى الدور الخطير الذي لعبته تركيا في تسهيل دخول مقاتلي التنظيمات الإرهابية، وحماية طرق الإمداد التي تغذيهم بالسلاح والبشر والأموال.

ولربما ندخل في متاهة الشبهات حين نتساءل عن السر الذي يقف وراء عزوف النظام السوري، الذي يعتقد أنه وقع ضحية لمؤامرة كونية، عن الحديث الذي يمكن أن يشكل مصدر إزعاج للجهات الدولية التي ترعى الجماعات المسلحة التي حاربته من غير أن تكون ذات صلة بالأهداف التي كانت المعارضة السورية قد وضعتها، نظريا، في أفق الثورة السورية، وهي أهداف تمت إزاحتها من قبل الممولين ليكون التمرد إخوانيا خالصا.

وإذا ما كان النظام غير قادر إلا عن طريق التكهن على الإشارة إلى قوى دولية بعينها كانت ولا تزال تقف وراء الجماعات المسلحة التي استولت على الميدان السوري كله، فإن المعارضة السورية التي لا تزال تعتبر نفسها ممثلة لقوى الثورة السورية هي الأخرى لا تملك سوى أن تصمت في مواجهة تمدد تلك الجماعات، لا خوفا منها بل هروبا من الاعتراف بحقيقة القوى التي تدعم وتمول وتسوق تلك الجماعات.

كما أتوقع فإن روسيا استطاعت أن تحسم جزءا من حربها على الإرهاب حين أعادت قوائم الإرهابيين إلى الجهات التي أصدرتها.

على سبيل المثال فإن روسيا وهبت تركيا فرصة مثالية لجمع نفاياتها البشرية. حدث ذلك بعد أن صَحَتْ تركيا على الواقع المأساوي الذي ساهمت في صناعته وصارت آثاره ترتد عليها. وهو ما يعني أن روسيا وضعت تركيا في مكانها الصحيح راعية للإرهاب من غير تزويق أو زخرف.

ولكن روسيا، في الوقت نفسه، لم تجرؤ علانية على تسمية الأطراف الدولية التي أوكلت لتركيا مهمة القيام بدور المتعهد الإقليمي لرعاية الجماعات المسلحة القادمة من مختلف أنحاء الأرض.

لم تكن تركيا الإخوانية إلا ممرا آمنا لتلك الجماعات من أجل الوصول إلى العراق وسوريا. وهو ما جعلها تشعر بالاطمئنان إلى أنها لن تذوق السم، فهي ليست صانعته. غير أن ذلك الشعور كان واحدا من أوهام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. فما من شيء يمكنه أن يمنع العنف من الارتداد إلى منابعه. لا يمكن للكذبة بعد أن يتم

تحويلها إلى حقيقة أن تكتفي بالمكان الذي نفيت إليه.

عن طريق تركيا استطاعت روسيا أن تقنع العالم بضرورة البدء بجمع النفايات البشرية، وإعادة توزيعها حسب أصولها ووظائفها. لذلك عاد الإرهابيون التونسيون إلى بلادهم من غير أن تجرؤ حكومة بلادهم على مساءلتهم. فالموضوع يقع خارج إرادتها.

إعادة تدوير النفايات البشرية هي مسألة أكبر من أن يتصدى لها نظام هش مثل النظام التونسي. غير أنها تكشف عن الوجه القبيح لعالم القوة، حيث يلجأ الأقوياء إلى استعمال البشر نفايات، يجري نشرها وجمعها وفق جدول يقبل الخطأ، غير أن أحدا لن يُسمح له بمقاومة ذلك الخطأ.

13