"عودة الابن الضال" أعظم أفلام يوسف شاهين

المخرج يوسف شاهين جمع في فيلمه "عودة الابن الضال" بين الدرامي والموسيقي والسياسي والرومانسي من خلال شكل "الميلودراما" التي تتأرجح مرة أخرى، بين الرمز والواقع.
السبت 2018/08/25
الجد والجدة رمز الجيل القديم: الإقطاع والثقافة

في تقديري أن فيلم “عودة الابن الضال” (1976) هو الأفضل من بين كل أفلام المخرج يوسف شاهين مجتمعة، فهو عمل مركب، جريء، متعدد المستويات، يبدو كلوحة مشغولة بعناية، في بناء جدلي حداثي، ممتع للعين وللفكر وللعقل. إنه ليس فقط خاتمة ثلاثية شاهين عن الهزيمة، بل وقصيدة سينمائية حزينة تعبر عن نهاية عصر كامل.

في “عودة الابن الضال” يتلاعب يوسف شاهين بالشكل السينمائي كما لم يفعل في كل أفلامه. إنه يستخدم القصة الدينية ويطوعها لفكر جديد يلامس السياسي، يفتح جراح الماضي، يكشف سطوة مجتمع القمع، وانهيار الحلم الناصري أمام سطوة الطبقة الجديدة التي صعدت لتلتهم كل شيء.

يغامر يوسف شاهين بالتجريب في الشكل، متجاوزا كل ما حققه من قبل، من خلال حبكة احترافية شديدة الذكاء والعمق والتماسك. ولا شك أن الشاعر والرسام الكبير الموهوب صلاح جاهين، قد لعب دورا أساسيا بفكره وفلسفته وخياله الخصب في وضع معالم سيناريو الفيلم وحواره الذي يعدُّ من أفضل حوارات أفلام شاهين. فالحوار هنا يلعب على المباشر والرمزي والواقعي والخيالي في آن. وقد كتب جاهين أيضا كلمات الأغاني الخمس التي يتضمنها الفيلم، فشاهين أراد أن يجمع في فيلمه بين الدرامي والموسيقي الاستعراضي، والسياسي النقدي، والرومانسي العاطفي، من خلال شكل “الميلودراما” التي تتأرجح مرة أخرى، بين الرمز والواقع.

توبة العائد

في فيلم “العصفور” (في العام 1972) كان شاهين يقدم صورة لمجتمع الهزيمة. أما هنا فهو يتعمق في “التركيبة” الطبقية التي أنتجت الهزيمة. إنه يروي قصة “الابن الضال” في الموروث الديني المسيحي، ولكن بعد أن يخلصها من دلالاتها الدينية المتعلقة بالتوبة والغفران.

تفيد الرواية المسيحية أن الابن الأصغر خرج على بيت أبيه بعد أن أصر على الحصول على نصيبه من الثروة، وغادر الأسرة وذهب حيث فقد كل شيء، ثم عاش حياة قاسية مضنية فقرر العودة إلى كنف أبيه، معترفا بخطئه، معلنا توبته، طالبا العفو والمغفرة، فيفرح الأب ويذبح عجلا ويحتفل مع أهل البلدة بعودته. أما الابن الأكبر الذي بقي وضحى وعاش في كنف والده فهو يغضب من أبيه لاحتفائه بمن عصى وخالف، لكن الأب يقول له إن أخاك هذا “كان ميتًا فعاش، وكان ضالًا فوجد”.

يجعل الفيلم “توبة العائد” ليست نتيجة خروجه على “الأب”، بل لما تعرض له من نظام سياسي متجبر، عقابا على جريمة لم يرتكبها، بل عن دعوته التي آمن بها رغم أنها لا تنفصل عن نفس شعارات النظام.

 تفيدة وإبراهيم: جيل جديد يسعى للتحرر من الوهم
 تفيدة وإبراهيم: جيل جديد يسعى للتحرر من الوهم

الابن الضال العائد هو “علي” (أدى دوره الممثل أحمد محرز) الذي لم يكمل دراسته وذهب أولا للعمل في السد العالي، ثم انتقل إلى القاهرة يحاول أن يفهم ويتعلم من الناس، ويقود الآخرين ليبني “مدنه في السحاب”.  لقد كان مؤمنا أشد الإيمان بـ”الزعيم”، يصدق دعاواه في إقامة العدل وإنصاف الفقراء، يرفع شعارات الثورة والتغيير، لكنه يتعرض للاعتقال والتعذيب.

لقد سقط في إغراء الطبقة الجديدة الفاسدة وتزوج من ابنة مقاول سرعان ما تسبب في أزمته وانهيار أحلامه، وما انهيار العمارة كما نرى في الفيلم سوى رمز للانهيار الأكبر الذي وقع في العام 1967.

يجسد “علي” جيلا كاملا من اليسار (الناصري) بكل طموحاته وأحلامه وشعاراته وتردده وعجزه عن منع صعود الطبقة الجديدة بعد أن استخدم في تغييب الوعي بالشعارات، وتُرك الباب مفتوحا على مصراعيه لنمو البيروقراطية المتوحشة التي التهمت كل شيء. ولم يخرج علي من المعتقل إلا بعد أن كتب خطابا إلى زعيمه عبدالناصر، لكنه يخرج في نفس يوم جنازة الزعيم.

هزيمة جيل

بعد 12 عاما من الغياب يعود “علي” إلى قريته “ميت شابورة” محطما عاجزا مهزوما، لينضم مجددا إلى عائلته: والده “محمد المدبولي” (محمود المليجي) ووالدته “رتيبة” (هدى سلطان) وشقيقه “طُلبة” (شكري سرحان)، و”فاطمة” ابنة خالته وشقيقة زوجة طُلبة المتوفاة “عائشة”. لكن هناك أيضا إبراهيم، ابن طلبة، الذي حصل على الثانوية العامة ويرغب في السفر لدراسة علوم الفضاء في الخارج، وقد استمع طويلا عن عمه البطل نصير الفقراء والمظلومين، وظل في انتظاره طويلا.

تجمع العائلة في داخلها تناقضات الطبقة الوسطى كلها. إنها تمتلك الأرض والحظيرة والمعصرة (المصنع) ودار السينما والمقهى، أي وسائل الإنتاج والترفيه.  و”طُلبة” الذي كان في الأصل ضابطا من مجموعة 23 يوليو 1952، أًصبح رجل العائلة القوي بعد أن استولى على أرض زوجته الراحلة وشقيقتها، كما استولى على المعصرة من صاحبها “الخواجة كركور” الذي فر خارج البلاد في خضم حمى التمصير، لكن “طُلبة” لم يدخل أي إصلاح على آلات المصنع المهترئة التي ظلت تعمل منذ 25 عاما.

يستغل طُلبة عمال المصنع أبشع استغلال، ويبقيهم من دون عقود أو ضمانات وتأمينات ويهدد بطردهم، لكن “حسونة” (سيد علي كويرات) الذي ترتبط ابنته “تفيدة” (ماجدة الرومي) بعلاقة حب مع إبراهيم ابنه هو الذي يتصدى له، وترتبط زوجة حسونة “لواحظ” بصداقة مع أسرة المدبولي وخاصة الأب وفاطمة.

يتميز "عودة الابن الضال" بإيقاعه السريع، وانتقالاته المفاجئة بين المشاهد، وحواره متعدد المستويات الذي يضفي جمالا على الفيلم
يتميز "عودة الابن الضال" بإيقاعه السريع، وانتقالاته المفاجئة بين المشاهد، وحواره متعدد المستويات الذي يضفي جمالا على الفيلم

يعبر محمد المدبولي عن الجيل الأول، جيل الحالمين القدامى، فقد تلقى قسطا من التعليم في فرنسا، واقترب من عالم الفنون هناك، لكنه عاد ليجد نفسه عاجزا عن التأقلم مع الواقع الجديد القائم في المجتمع فيهرب إلى المخدرات، ولكن دون أن يفقد حسه الإنساني النبيل وتعاطفه مع العامل حسونة وزوجته رغم الفارق الطبقي بين الأسرتين.

انتظار العائد

يستغل “طُلبة” حرب الاستنزاف ويسعى لعقد صفقة مع الجيش لتوريد بعض الاحتياجات للوحدات العسكرية الموجودة قرب “ميت شابورة”، وبعد تغير الظروف السياسية وتبني سياسة الانفتاح يستورد آلات جديدة للمعصرة تمهيدا للتخلص من عدد كبير من العمال.

أما إبراهيم فهو يأمل أن يساعده “علي” في إقناع والده بالموافقة على سفره، إلا أن “علي” يعود مقهورا كسيرا، لا يتعرف على فاطمة حبيبته التي ظلت تنتظره 12 عاما دون أن تخلع ملابس الحداد إلى أن يعود ويتزوجها. لقد تعرضت أثناء غيابه للاغتصاب من طرف شقيقه “طُلبة” الذي أرادها لنفسه بعد وفاة زوجته (شقيقتها عائشة)، ولكن الأم “رتيبة” تعد الآن لتزويج علي من فاطمة لكي تبقي على الأرض والثروة بين أيدي عائلة مدبولي. “علي” كان البطل المنتظر بالنسبة لفاطمة وإبراهيم وعمال المعصرة الذين ينتظرون أن ينظمهم ويقودهم في مواجهة “طُلبة” الظالم.

أما “علي”، فينسحب بعد عودته مباشرة، إلى غرفته يبكي بمرارة ثم يرتمي في أحضان أمه التي تمثل النمط الإقطاعي القديم، ويطلب منها أن توجهه وتختار له. ولكنه بوعيه الطبقي، يرضخ من صبيحة اليوم التالي لتعليمات شقيقه “طُلبة” الذي يسحبه من يده ويجلسه فوق كرسي مدير العمال يراقبهم ويحاسبهم بعد أن كان نصيرا لهم قبل سفره. ولا يملك “علي” ما يقدمه لهم سوى عبارته المضحكة “شوية صبر.. شوية وقت.. شوية مسايسة”.

يقدم الفيلم صورة مشرقة لأسرة حسونة التي تنتمي للطبقة العاملة: حسونة وزوجته وابنته: العلاقة بينهم جميعا علاقة حب وود وتفاهم، علاقة تتميز بالبساطة والتلقائية، يعيشون في بيت في منطقة ريفية مفتوحة، لا يخجل الزوج من مداعبة زوجته وممارسة الحب معها في ضوء النهار، على النقيض من عائلة المدبولي المفككة التي ينعزل كل فرد فيها ويقبع في الظلام: فاطمة تتحسس جسدها وتتشمم ملابس علي، طُلبة يختلي بنفسه في ظلام قاعة السينما، يشاهد أفلام العنف والجنس وحيدا في الليل، محمد المدبولي يهرب بعيدا في الصحراء ليغرق نفسه في غيبوبة الخمر والمخدر، يسترجع ذكريات الماضي ويلعن الصحراء متسائلا: لماذا أصبحت جافة رغم كل ما سال فيها من دماء؟ “ناشفة.. جافة.. زي قلتها.. زيي أنا تمام. أنا كمان زي قلتي.. أنا وجيلي خلينا الصحرا تاكلنا”.

بعد أن يصب غضبه على الصحراء وعلى جيله يلتفت ليرى “عليا” ينصت إليه. يمسك المدبولي بالعصا ويضرب على ساقي علي الذي يقفز في الهواء متفاديا الضربة مرة بعد مرة والأب يردد: إنت كلب جاهل.. ما استحملش يكمل دراسته.. إنت كلب”. يجثو “علي” ويحفر في الأرض بيديه وهو ينبح ككلب مرددا “أنا كلب.. أنا كلب”. ويواصل الأب مونولوجه: 800 مليون صيني اتصرفوا لوحدهم. وإنت ليه ما انتاش صيني؟

يضع العصا بين أنفه وأنف علي، ثم يدور الاثنان والعصا مرفوعة تفصل بينهما بينما تدور حولهما الكاميرا، ويستمر المدبولي في حديثه. تتوقف الحركة ثم في لقطة عامة نشاهد في عمق الصحراء “عليا” يقف صغيرا في عمق الكادر بينما والده على يسار الصورة والمسافة بينهما شاسعة. يصوب المدبولي العصا تجاه علي وفي اللقطة التالية مباشرة نرى العصا وقد أصبحت على مسافة قريبة تفصل بينهما، ويبدأ الاثنان في التحرك حركة دائرية بينما العصا ترتكز الآن على الأرض والاثنان يمسكان بها وهما يدوران حولها. وفي اللقطة الأخيرة نراهما من بعيد وقد أصبحا جسدين ضئيلين في الصحراء.

هذا التصميم للحركة واختيار اللقطات داخل المشهد مع تبادل اللقطات البارع مونتاج رشيدة عبدالسلام أكثر من فهم شاهين وسينماه، يتولد نوع من “التغريب”. ويعود تميز الفيلم من ناحية الصورة: التكوين وتوزيع الإضاءة وحركة الكاميرا، إلى دور عبدالعزيز فهمي أعظم المصورين في تاريخ السينما المصرية. التناقضات الكامنة داخل هذه العائلة تؤدي بالضرورة إلى انفجارها على نفسها من الداخل.

أسلوب شاهين

إبراهيم وجدته: صراع مكتوم
إبراهيم وجدته: صراع مكتوم

تصل الميلودراما إلى ذروتها في مشهد المذبحة الأخيرة حيث يقتل الأخ أخاه، كما تقتل الأم وفاطمة ويصاب الأب، ثم رحيل إبراهيم مع تفيدة في اتجاه الأفق.. نحو المستقبل. وتعود ماجدة الرومي تغلف المشهد كله بصوتها وهي تردد “أدي اللي كان وأدي القدر وأدي المصير.. نودع الماضي وحلمه الكبير”.  يتميز الفيلم بإيقاعه السريع، وانتقالاته المفاجئة بين المشاهد، وحواره متعدد المستويات الذي يضفي جمالا خاصا على الفيلم.

أنظر مثلا ما تقوله رتيبة لفاطمة “على أيامنا كانت الواحدة مننا تتمنى أي حاجة عليها شعر وريحتها سجاير”. ومما يجعل الفيلم أحد الأعمال الكلاسيكية الكبرى في السينما، الأداء العظيم من جانب مجموعة الممثلين الكبار: شكري سرحان وهدى سلطان وسهير المرشدي ورجاء حسين وعلي الشريف. لكن دور محمود المليجي (رمز جيل الأحلام الكبيرة) هو أهم الأدوار في الفيلم وأكثرها حضورا، وهو يسيطر على جميع المشاهد التي يظهر فيها، بل يكاد يحمل العبء الأكبر من الفيلم على عاتقه. إنه يدفع الحياة في شخصية الأب- الجد، ويجعلها رغم هامشيتها في العائلة، أساسية في فهمنا للفيلم.

ماجدة الرومي كانت جميلة وبسيطة ومقنعة، وتميز أحمد محرز بجسده النحيل وتعبيرات وجهه التي تشي بالعذاب، وبذل هشام سليم جهدا كبيرا في تجسيد شخصية إبراهيم لكنه كان لا يزال في بداياته. أما سيد علي كويرات، الذي فرضه الطرف الجزائري في الإنتاج، فقد كان أداؤه أضعف ما في الفيلم.

لا يلتزم شاهين بفكرة “الإيهام بالواقع”، فهو ينتقل من الحقول الخضراء إلى الصحراء إلى النهر والجسر الخ، في المشهد الواحد أحيانا، كما يستخدم خمس أغنيات استعراضية تقطع مسار الأحداث، منها ما يعلق على الحدث مثل أغنية المدرسة التي نراها في بداية الفيلم، ومنها ما يحمل رموزا مثل استعراض “الساعة” (يرمز لمحاولة “علي” سباق الزمن).

يوسف شاهين يستخدم القصة الدينية ويطوعها لفكر جديد يلامس السياسي، يفتح جراح الماضي، يكشف سطوة مجتمع القمع، وانهيار الحلم الناصري أمام سطوة الطبقة الجديدة التي صعدت لتلتهم كل شيء

ونجح شاهين بالتعاون مع رشيدة عبدالسلام، في إضفاء الحيوية والحركة على الاستعراضات الراقصة التي صممها محمود رضا، مع أحداث الفيلم ومغزاه بحرفية وبراعة مشهودتين.

يعبر الفيلم عن نظرة رومانسية تعارض فكرة السفر إلى الخارج للدراسة، وينتصر لبقاء “إبراهيم” في مصر ثم تخليه عن طبقته وانضمامه لأسرة تفيدة العمالية والذهاب معهم إلى الإسكندرية (ألا يذكرنا هذا بتخلي الضابط رؤوف في “العصفور” عن طبقته وانضمامه لأسرة بهي؟).

ويستخدم يوسف شاهين المهرج، يبدأ به الفيلم وهو يعمل في الترويج لدار السينما أي أجيرا عند طُلبة، لكن رغم كونه مضطهدا إلا أنه يضطهد الآخرين لحساب سيده، وهو يظهر بعد تغير الظروف السياسية في مصر (مرحلة أنور السادات) ليقمع الشباب في نهاية استعراض “الشارع لنا”. لقد أصبح هنا “كاوبوي”، صريحا وفجا بعد أن زالت الألوان من على وجهه، وأمسك الآن بالسلاح وأصبح يعتلي صهوة حصان.

وفي نهاية الفيلم يظهر المهرج بصحبة “المهرج الطفل” حيث يرقص الاثنان ويتمتمان بنفس النغمة التي سمعنا المهرج يرددها في بداية الفيلم، ولكن هذه المرة من دون موسيقى. وينتهي واحد من أجمل أفلام السينما العربية.

16