عودة البطريركية

كتاب "ترياق ضد الفوضى" يضم اثنتي عشرة قاعدة من قواعد الحياة الواجب اتباعها، يدافع مؤلفه جوردان بيترسون عن النظام البطريركي الجديد، ويوصي بأن يكون الذكور أقوياء ناضجين.
الخميس 2018/08/02
إعادة النظر في التمييز الجنسي (لوحة: هدى لطفي)

بعد الثورة النسوية التي ظهرت بوادرها في أواسط القرن الماضي، ونادت بالتسوية بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، ثم تطورت إلى المطالبة بإعادة النظر في التمييز الجنسي نفسه بين الذكر والأنثى ما أدى إلى ظهور مصطلح الجندر الذي يلغي التفرقة البيولوجية بين الجنسين، بوصفهما نتاجا لعوامل دينية وثقافية، وسياسية واجتماعية، بدأت تظهر في الآونة الأخيرة بوادر ثورة مضادة، ثورة بطريركية تنتقد هذا الوضع الذي عمّ العالم وبلغ ذروته في السويد حتى على المستوى اللغوي، حيث ألغي استعمال ضمير الغائب المذكر “هان”  hanوضمير الغائب المؤنث “هون” hon ليحل محلهما ضمير محايد “هين”  hen يشير إلى الاثنين دون اعتبار جنسي.

أول من بادر بشن الهجوم المعاكس الكندي جوردان بيترسون، وهو أستاذ مغمور يدرس علم النفس بجامعة تورونتو، وتحول إلى نجم في كندا والولايات المتحدة بخاصة، بعد صدور كتاب له بعنوان “ترياق ضد الفوضى” يدافع فيه عن الذكورة المتأزمة، نتيجة الشغف بالمساواة، ويعتبر أن النسوية والبنائية والزعم بأن “الجندر” بنية اجتماعية ليس لها سند بيولوجي، هي السبب في الفوضى السيكولوجية والعاطفية الجديدة التي تجتاح العالم على حدّ قوله. والفوضى المقصودة هنا هي حياة الشباب، العزاب منهم على وجه الخصوص، الموزعين بين الوحدة والإدمان، والعاجزين عن بناء علاقات جدية.

في هذا الكتاب الذي يضم اثنتي عشرة قاعدة من قواعد الحياة الواجب اتباعها، يدافع بيترسون عن النظام البطريركي الجديد، ويوصي بأن يكون الذكور أقوياء ناضجين، والآباء صارمين، مثلما يوصي بضرورة احترام القواعد وتحمّل العقوبات. وفي وقت وجيز استطاع بيترسون أن يصبح أيقونة “العزاب دون إرادتهم” على حدّ تعبيره، أي أولئك الذين توغر العزلة صدورهم، وتغريهم بكراهية أفراد المجتمع، لا سيما الإناث منهم. فالحل بالنسبة إليه يكمن في العودة إلى القواعد البيولوجية المعروفة، والاختلاف في الجنس، وفي غيابها نسير إلى الشذوذ، ثم الانقراض كالسائر إلى حتفه بظلفه.

صحيح أن أول من تلقف خطابه هم من حركة “البديل الصحيح” الأميركية المعادية للأجانب، ولكن بيترسون ينفي كل نزعة عنصرية، ويؤكد أنه استقى رؤيته من الأساطير الكبرى، التي يواجه فيها البطل فوضى وجودية لبلوغ فردانية ناضجة ومسؤولة.

وأيا ما تكن دوافع الرجل، فهو ينطق بألسنة شرائح كثيرة في المجتمعات الغربية، رأت في الجندرية وسيلة لتفكيك الأسرة، حتى وإن احتمت بقوانين أممية، فالذكر ذكر والأنثى أنثى، ولكن دون العودة إلى البطريركية القديمة، التي تغمط حق المرأة في المساواة مع الرجل في شتى مجالات الحياة.

15