عودة البيوغرافيا

البيوغرافيا اتخذت، على مستوى الثقافة العربية، مسارا مختلفا يحتفظ بالكثير من الخصوصيات.
السبت 2018/04/14
نوافذ إبداعية وفكرية عديدة

يُعيد إصدار أكثر من نص بيوغرافي هام، خلال السنتين السابقتين بالمغرب، الأضواء إلى جنس كان يشكل، خلال لحظات نوعا أدبيا شبه هجين، يُطل على قارئه من نوافذ إبداعية وفكرية عديدة. ولعل قوة هذه العودة تستند إلى طبيعة أصحابها الذين ساهموا في نسج جانب من تاريخ المغرب، وهم بالضبط عبدالواحد الراضي، عبر كتابه “المغرب الذي عشته”، والراحل عبدالرحيم بوعبيد من خلال مذكراته، ثم عبدالرحمان اليوسفي الذي أهدى للمكتبة المغربية كتابه “أحاديث في ما جرى”.

ويبدو، لأسباب ما تحتاج إلى الدراسة، أن البيوغرافيا عرفت وضعا مفارقا، كما تكشف عن ذلك القراءة المقارِنة للأدبيات الغربية والعربية. فخلال لحظات طويلة، كانت العلاقة بين البيوغرافيا والتاريخ متوترة، كما يوضح ذلك استحضار التجربة الغربية في المجال، حيث كان المؤرخون يركزون على تدوين الأحداث ويُغرقون القارئ بتفاصيل الأمم والمجموعات، في الوقت الذي يغيب فيه الحديث عن صانعي الأحداث.

إيمانويل كانط ذهب إلى حد الإقرار بضرورة تعالي الكتابة التاريخية على الأفراد، اعتبارا لكونهم وسيلة فقط تستعملها الطبيعة لتحقيق أهدافها. وسينتظر الغرب قرونا لكي تستعيد البيوغرافيا مكانتها كجزء من الكتابة التاريخية، خصوصا بعد تراجع الأدبيات التي كانت تنتصر للمجتمع وللمجموعات، على حساب الأفراد.

في مقابل ذلك، اتخذت البيوغرافيا، على مستوى الثقافة العربية، مسارا مختلفا يحتفظ بالكثير من الخصوصيات، حيث ظلت تقوم، خلال مراحل طويلة، على تصنيف معرفي كان يضعها ضمن مجالات الكتابة التاريخية الصرفة. وهو تصنيف كان يستند إلى شيوع توظيف التراجم والمناقب في التدوين التاريخي للمراحل التاريخية عبر التدوين لرجالاتها، سواء كانوا سلاطين أو علماء أو فقهاء أو أولياء أو غيرهم. وكان هذا التوظيف، في الآن نفسه، وراء ما اكتسبته كتب التراجم من أهمية كمصدر معلومات أساسي للكتابات التاريخية، حيث يذهب المستشرق ليفي بروفنصال إلى أنه لولا كتاب وفيات الأعيان لابن خلكان والديباج المذهب لابن فرحون، مثلا، لظلت زمرة وافرة من أمجاد الإسلام مجهولة مغمورة.

ولذلك كان طبيعيا أن ينعكس ذلك على مستوى التراكم الذي حققته. وهو تراكم يعود جانب منه أيضا إلى تعدد أنواع ومجالات كتب التراجم نفسها، حيث توزعت بين تراجم عامة، وأخرى تخصّ صاحب الترجمة نفسه، أو علَما معينا، أو طبقة من الأعلام، أو أعلام منطقة، أو أعلام فترة زمنية محددة، أو أعلام مهنة ما، وأخرى مكرّسة للوفيات. كما يبدو طبيعيا أن يجد القارئ نفسه يوميا أمام فيض من المعلومات البيوغرافية عن الأشخاص، سواء عبر الكتب البيوغرافية، أو قواميس اللغة والأشخاص، أو الموسوعات، أو دلائل المعارض الفنية، أو الحوارات أو غيرها.

أما المدهش، فهو تنامي المواقع الإلكترونية التي يقدم أصحابها خدمات لكتابة بيوغرافيات الآخرين، مع التنصيص على الدفع المسبق. ويبدو أن ذلك يعكس وجود سوق تجارية مربحة، ومعها سوق أخلاق كاسدة.

15