عودة التوتر إلى علاقات الرباط ومدريد

إسبانيا تتحسب للمشاريع التنموية التي يسعى المغرب إلى إقامتها على طول السواحل المتوسطية، خصوصا في منطقة الريف التي ظلت تعيش لعقود على تهريب السلع من مدينتي سبتة ومليلية.
الجمعة 2018/09/07
المغرب يحاول الحفاظ على حسن الجوار مع إسبانيا في ظل شروط أفضل لا تمس باقتصاده الداخلي

طفا التوتر مجددا على سطح العلاقات المغربية الإسبانية التي لا تستقر على حال، بسبب التحولات السياسية التي تحصل في مدريد وتأثيرها على المزاج الإسباني. وتشكل الهجرة أحد العناوين الكبرى في المواجهة المتكررة بين البلدين، إذ كلما تزايد تدفق المهاجرين الأفارقة على السواحل الإسبانية كلما وجهت مدريد أصابع الاتهام إلى الرباط، حتى أصبح التراشق بين الطرفين روتينيا.

في بداية شهر أغسطس الماضي قرر المغرب إغلاق حدوده البرية مع مليلية، المدينة المحتلة في الشمال من مدينة الناظور، لفترة محدودة في محاولة لإنعاش ميناء الناظور الجديد الذي تمت إقامته في المنطقة بهدف تحريك العجلة الاقتصادية لمنطقة الريف، على أساس أن يكون الميناء الجديد البوابة الجمركية الوحيدة لاستيراد وتصدير السلع إلى المدينة المحتلة.

 ورغم أن الرباط نشرت إعلانا للتجار ورجال الأعمال الإسبان والمغاربة قبل الإغلاق، مع إجراءات تضمن السير الطبيعي لدخول وخروج السلع بشكل محدود تفاديا لإحداث أزمة اقتصادية في إسبانيا، إلا أن مدريد اعتبرت الخطوة عدائية.

وانتقدت الحكومة المحلية في المدينة المحتلة القرار الذي قالت إنه سيؤدي إلى خسارة بقيمة مئة مليار يورو، مطالبة الحكومة المركزية بالتدخل واتخاذ إجراءات عقابية ضد المغرب، بيد أن هذه الأخيرة فضلت التريث تجنبا لدفع الاحتقان إلى أقصاه، وخوفا من ردود الفعل من جانب الرباط، التي قد تصل إلى تحللها من الالتزامات بينها وبين إسبانيا في ما يتعلق بالتعاون من أجل التصدي للهجرة غير الشرعية.

لكن المشكلة ليست جديدة. فإسبانيا تتحسب منذ سنوات للمشاريع التنموية التي يسعى المغرب إلى إقامتها على طول السواحل المتوسطية، خصوصا في منطقة الريف التي ظلت تعيش لعقود طوال على تهريب السلع من سبتة ومليلية.

 وتريد إسبانيا الحفاظ على الوضع القائم لأن أي مساس به سيؤدي إلى انهيار الوضع الاقتصادي في المدينتين، والأمر سينعكس سلبا على الاقتصاد الإسباني بأكمله، ويضع على كاهل الحكومة المركزية مسؤوليات مضاعفة تجاه الحكومتين المحليتين فيهما.

 فحسب إحصائيات العام الجاري، تساهم المدينتان بنسبة 2.2 في المئة في الميزانية العامة للدولة الإسبانية، رغم حجم السكان القليل، إذ تضم مليلية 78 ألفا، بينما تضم سبتة 84 ألفا.

وهذا ما يفسر كثرة التحاليل التي كانت تنشرها الصحف الإسبانية في السنوات الماضية حول التأثيرات السلبية المتوقعة لإنشاء ميناء الناظور على اقتصاد المدينتين، ذلك أن الإسبان كانوا يدركون أن اليوم الذي يبدأ فيه العمل الرسمي للميناء سيكون آخر يوم في رفاهية المدينتين المحتلتين.

وطيلة العقود الماضية ظل الميزان التجاري والمالي يميل لصالح إسبانيا، وهو وضع كانت ترفض هذه الأخيرة أي مساس به من جانب المغرب، لكنه كان ينعكس على الاقتصاد المغربي ويكبّلُ حركة التنمية في منطقة الريف، الأمر الذي كان يترتب عنه ظهور الاحتجاجات الاجتماعية بين الحين والآخر وسط سكان المنطقة، كما حصل في العام الماضي في عدد من المدن على رأسها الحسيمة، كبرى مدن الإقليم.

ولو أردنا اختصار الصورة لقلنا إن المغرب ظل يُحجم عن خوض أي مغامرة اقتصادية في المنطقة ترضية لإسبانيا لكي يستمر تدفق منتجاتها إلى المغرب، فيما كان هذا الأخير يؤدي ثمن كل ذلك عبر الغضب الشعبي الذي يتهم الدولة بعدم إنجاز أي مشروع اقتصادي حقيقي بإمكانه النهوض بالأوضاع في المنطقة.

ولعل هذا هو ما عناه العاهل المغربي محمد السادس قبل أشهر، حين انتقد النموذج التنموي في البلاد، ودعا إلى إيجاد نموذج بديل يصهر جميع الأقاليم، فقد كان واضحا أن الدولة تعتزم القطع مع سياسة الانحناء للشروط الإسبانية والاستمرار في خدمة النموذج الاقتصادي لإسبانيا.

ويعقد مسؤولو الجمارك في البلدين خلال الأسبوع المقبل اجتماعا للنظر في الموضوع وحل الأزمة بطريقة دبلوماسية بعيدا عن المواجهة، ومعالجة المشكلات التقنية المتعلقة بشروط العبور للتجار المغاربة نحو مليلية، وسلوكات المسؤولين الإسبان تجاه المغاربة التي سبق للجنة برلمانية مغربية أن رصدتها خلال زيارة لنقطة العبور للوقوف على حجم الاختلالات. والمؤكد أن أيا من الجانبين لا يريد التصعيد، بمثل ما أن المغرب يحاول الحفاظ على حسن الجوار مع إسبانيا في ظل شروط أفضل لا تمس باقتصاده الداخلي ولا تعرقل مشاريعه التنموية في المنطقة.

9