عودة الجهاديين قنبلة موقوتة على أبواب تونس

العائدون من بؤر التوتر معضلة خارج حسابات الحكومة وسط غياب استراتيجية واضحة للتعامل مع الملف.
الخميس 2019/02/14
بأي ذنب يحاسبون

فتحت تونس ملف استرجاع أطفال جهاديين من بؤر التوتر مجددا بعد اتهام منظمة حقوقية المسؤولين التونسيين بـالتقاعس في إعادة أطفال مواطنيهم ممن ينتمون أو يشتبه بانتمائهم إلى تنظيم داعش. ويفسر الخبراء التردد الحكومي في النظر إلى هذا الملف بالمخاوف الأمنية وتداعيات هذه العودة على استقرار البلاد في الوقت الذي ما زال فيه الخطر الإرهابي قائما، وأيضا بوقوف أطراف سياسية بعينها في تعطيل التقدم في هذا الملف، حيث سيزيد من إحراجها أمام الرأي العام المحلي والدولي مع اقتراب السباق الرئاسي والتشريعي.

تونس - باشرت تونس مؤخرا مساعيها لاسترجاع عدد من أطفال لآباء جهاديين في ليبيا تابعين لتنظيم الدولة الإسلامية في خطوة اعتبرتها منظمة حقوقية دولية “غير كافية” خصوصا مع تدهور وضع عائلاتهم في سوريا.

وتبدو الحكومة التونسية كما قسم كبير من الرأي العام رافضة لعودة الجهاديين بعد العمليات الإرهابية الدامية التي ضربت البلاد في 2015 و2016، وما يبرر هذا الرفض رغبة الحكومة أولا في التأكد من هوية هؤلاء الأطفال إن كانوا فعلا لآباء تونسيين، ثم ما ينتاب الحكومة من قلق جراء عدم تأهيل هؤلاء الأطفال وأمهاتهم لإعادة دمجهم بشكل طبيعي في المجتمع، فيما ما زالت منابع الإرهاب لم تجفف بعد داخل البلاد.

وقال الهلال الأحمر في مدينة مصراتة إن فريقا من الشرطة الفنية التونسية توجه إلى مصراته (شرق) نهاية يناير الفائت، لأخذ عينات من الحمض النووي لستة أطفال من المفترض أن يكونوا أبناء مجاهدين تابعين لتنظيم داعش وقد قتلوا في مدينة سرت.

وأكدت مصادر حكومية تونسية زيارة فريق من الشرطة الفنية منذ أسبوعين لمدينة مصراته، ولأول مرة يجلبون معهم عينات من حمض نووي لطفل للتأكد من هويته قبل استرجاعه.

وانتقدت المنظمة الحقوقية “هيومن رايتس ووتش” الثلاثاء “تقاعس” المسؤولين التونسيين في إعادة أطفال وأمهات محتجزين في سجون دول عربية.

وفي ردها على التقارير الإعلامية، قالت الخارجية التونسية إن حكومة بلادها “لن ترفض استقبال محتجزين من مواطنيها لهم جنسية مثبتة”، مشيرة إلى أن “الدستور التونسي يحظر إنكار الجنسية أو سحبها أو منع مواطنين من العودة”.

ويعتقد خبراء أن الحكومة التونسية لم تجد بعد صيغة واستراتيجية ملائمة للتعامل مع العائدين من بؤر التوتر ولم تطرح بعد مبادرات لتنظيم هذه العودة وكيف سيقع التعامل معهم كأطفال أم كإرهابيين للمستقبل تعدّهم الحركات الإرهابية لتنذر المجتمع الدولي أن هناك أجيالا جديدة من الإرهابيين ستقوض استقرار العالم.

أشبال دولة الخلافة

200 طفل ومئة امرأة تونسية تم احتجازهم بصفتهم من عائلات داعش
200 طفل ومئة امرأة تونسية تم احتجازهم بصفتهم من عائلات داعش

قالت بدرة قعلول، مديرة المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية الأمنية والعسكرية لـ”العرب” إن “الحكومة التونسية تخشى فتح ملف استرجاع أطفال الجهاديين لتداعياته على أمن البلاد”. وبينت قعلول أن “الحكومة تشترط لاسترجاع هؤلاء أطفال الجهاديين التأكد من هويتهم وهل فعلا هم لآباء تونسيين”.

وتشير إلى أن غياب استراتيجيا واضحة للتعامل مع أبناء الإرهابيين بدوره يعطل التقدم في هذا الملف. وتضيف قعلول هناك فوارق في الأعمار وملف من هذا النوع يدعو إلى التساؤل هل الأطفال ضحايا أم هم أشبال دولة الخلافة ويحملون الأيديولجيا المتطرفة.. وهل سيقع إيوائهم في مراكز إدماج”.

أما بخصوص الموقف الليبي من هذا الملف فتعتقد قعلول أن “ليبيا لا تريد زيادة عبء على عبئها في حين أن الحكومة التونسية ليست جاهزة لهذه الخطوة”.

وعلى غرار المخاوف الأمنية أسهمت الأوضاع السياسية المتقلبة التي عاشتها تونس خاصة خلال الفترة الأخيرة، مع إبداء الحكومة الأولوية للأزمة الاجتماعية والاقتصادية الحادة التي تمر بها في تـأخر النظر إلى هذا الملف.

ويذهب الخبراء بالقول إلى أن صرف نظر الحكومة، وإن كان مؤقتا، عن ملف أطفال الجهاديين تقف وراءه جهات سياسية.

وأشار علية العلاني، الخبير الأمني لـ”العرب” إلى أن “هناك بعض الأطراف في السلطة ليست لهم مصلحة في عودة الأطفال وأمهاتهم ومن بينها بالخصوص حركة النهضة التي ستجد نفسها في حرج كبير عندما يعود هؤلاء الأطفال وأمهاتهم بعد العمليات الإرهابية التي تورط فيها الآباء”.

وتابع بقوله “هناك لجنة برلمانية تشكلت للتحقيق في تسفير المقاتلين التونسيين إلى بؤر التوتر وبما أن النهضة تستعد هذه السنة إلى خوض الانتخابات فإن مثل هذه الأخبار ربما تؤثر على خزانها الانتخابي”.

ودأبت أحزاب من المعارضة على اتهام التحالف الحكومي الذي قاده الإسلاميون بين 2011 و2014، بالتغاضي عن أنشطة شبكات التسفير في البلاد. ومن شأن فتح ملف العائدين من بؤر الإرهاب إضافة إلى مشاكل أخرى التي تعيشها الحركة تتعلق بحقيقة الجهاز السري والجدل حول المدارس القرآنية أن يحرج الحركة أمام الرأي العام.

ويتوقع العلاني أن يتم النظر في هذا الملف بعد الانتخابات أمام مخاوف من استغلاله وتوظيفه في مرحلة حملات الانتخابات والدعاية. ولفت الخبير الأمني إلى أن تردد الحكومة يعود أيضا إلى غموض هذا الملف إذ لا توجد إلى الآن إحصائيات دقيقة لأطفال الجهاديين وأمهاتهم.

احتجاز دون تهم

مخاوف كثيرة
مخاوف كثيرة

قالت المنظمة في بيان “رغم أن تونس ليست البلد الوحيد المتقاعس عن مساعدة هؤلاء النساء والأطفال العالقين على العودة إلى ديارهم (…) لكن إحدى أكبر المجموعات من تونس”.

وقدرت المنظمة أن نحو 200 طفل ومئة امرأة تونسية “يتم احتجازهم دون تهم لفترات بلغت العامين بصفتهم من عائلات عناصر داعش، غالبيتهم في سوريا وليبيا المجاورة وبعضهم في العراق. والكثير من الأطفال لم تتجاوز أعمارهم 6 سنوات”.

وكشفت السلطات التونسية في السنوات الأخيرة أن هناك حوالي ثلاثة آلاف تونسي التحقوا بالتنظيمات الجهادية خارج البلاد، بينما تقدر المنظمة عددهم بنحو خمسة آلاف شخص.

ويثير موضوع عودة الجهاديين إلى تونس جدلا واسعا في البلاد حيث لا تزال حالة الطوارئ سارية منذ اعتداءات استهدفت سياحا وعسكريين وأمنيين في 2015 و2016. وأكد مصدر دبلوماسي تونسي أن بلاده تسعى منذ سنوات عديدة لاسترجاع عدد من أقارب جهاديين تونسيين.

وضبطت السلطات التونسية والليبية قائمة في 2017 تضم 43 طفلا من المفترض أن يكونوا تونسيين وقد تم استرجاع ثلاثة أطفال منهم بعد التأكد من هويتهم في ذات العام.

ومنذ ذلك الحين تحُول مشاكل عدة دون استرجاع الأطفال، مرتبطة أساسا بضعف التعاون القضائي في هذا المجال وصعوبة التعرف على الهويات وتحديدها.

ولم يتم استرجاع أي طفل من العراق وسوريا إلى تونس، وفقا لبيان هيومن رايتس واتش التي أوردت تعليقا لوزارة الخارجية التونسية تؤكد فيه أن “تونس تولي أهمية خاصة” لحالات الأطفال المحتجزين. كما أكدت أن الحكومة لن ترفض استقبال محتجزين لديهم جنسية مثبتة، مشيرة إلى أن الدستور يحظر سحبها أو منع المواطنين من العودة.

يعبر جزء كبير من الرأي العام التونسي وكذلك الحكومة عن رفضهما لعودة الجهاديين. وتقدر السلطات التونسية عدد المقاتلين العائدين إلى تونس بطرقهم الخاصة بـ800 شخص يخضعون للرقابة. وقد تظاهر في يناير 2017 حوالي ألف شخص ضد عودة الجهاديين المحتملة مبررين ذلك بالخطر الذي سيشكلونه على أمن البلاد.

Thumbnail

بدورها ترى جمعية التونسيين العالقين بالخارج أن “الدولة التونسية ليست لديها استراتيجيا للتكفل بالأطفال المضطربين والذين تتراوح أعمارهم بين أربع وست سنوات، وفقا لتصريح محمد إقبال بن رجب، أحد المسؤولين بالجمعية.

وقالت ليتا تايلر، الباحثة في المنظمة إن “المخاوف الأمنية المشروعة لا تبرّر تخلي الحكومات عن الأطفال وعن مواطنين آخرين محتجزين في معسكرات وسجون بائسة في الخارج (…) لا أمل لهم في الخروج من هناك وحكومتهم لم تُقدّم أي مساعدة تُذكر”.

والتقت المنظمة الحقوقية بأقارب 13 امرأة و35 طفلا محتجزين في سجون ليبيا وسوريا، موضحة أن “غالبية الأطفال محتجزين مع أمهاتهم وهناك ستة يتامى وتونس استرجعت ثلاثة أطفال فقط”.

كما شددت على “ضرورة توفير خدمات إعادة تأهيل وإعادة اندماج لهؤلاء المواطنين. ويجب معاملة الأطفال في المقام الأول على أنهم ضحايا”.

ورغم حساسية هذا الملف تبحث الحكومة التونسية عن صيغة مناسبة للتعامل مع عودة أبناء الإرهابيين، ويرى الخبير الأمني علية العلاني أنه على الحكومة تشكيل لجنة خبراء للتحقيق مع الأمهات وأخذ أكثر معلومات ومعطيات التي لها علاقة بالآباء الإرهابيين لتنظيم هذه العودة.

ويعتقد معهد واشنطن للدراسات في تقرير سابق حول المقاتلين التونسيين في بؤر التوتر أن الوضع الديمقراطي لتونس يوفر ميزة تتمثل بإمكانية اعتماد الحكومة على المجتمع المدني القوي في البلاد للمساعدة في حل مثل هذه الأمور بدلا من اتباع مقاربة قائمة على الأمن فقط.

6