عودة الحريري تعيد لبنان إلى خانة الترقب في خضم صراع إقليمي

الأحد 2017/11/26
الفرح والقلق في مشهد واحد

بيروت - أثارت استقالة رئيس الحكومة اللبنانية المفاجئة سعد الحريري وإقامته وسط ظروف ملتبسة في الرياض الخشية من دخول لبنان مجددا في حالة من الفوضى، لكن عودته قبل أيام إلى بيروت أعادت لبنان إلى خانة الانتظار والترقّب في خضم صراع إقليمي حاد.

ويجمع محللون ومراقبون على أن لبنان سيواصل اعتماد سياسة الهروب إلى الأمام ومحاولة كسب الوقت إزاء الملفات الخلافية الكبرى، طالما تشهد المنطقة انقساما كبيرا بين المحورين السعودي الداعم تقليديا للحريري والإيراني الداعم لحزب الله.

وشهدت الأسابيع الثلاثة الأخيرة سابقة في تاريخ لبنان، مع تقديم الحريري استقالته بشكل مفاجئ من الرياض وبقائه فيها لأسبوعين وسط ظروف غامضة. وترافقت استقالة الحريري مع شائعات حول “احتجازه”، قبل أن تثمر وساطة فرنسية عن انتقاله إلى باريس ثم إلى بيروت مرورا بمصر وقبرص.

وأثارت استقالة الحريري خشية من دخول لبنان في أزمة فراغ مؤسساتي، ومن تدهور قيمة الليرة اللبنانية وصولا إلى حصول اضطرابات أمنية.

وأعلن أن سبب الاستقالة تدخل حزب الله بدعم من إيران في نزاعات المنطقة، ما يرتّب تداعيات لا يمكن للبنان تحمّلها. وبعد إعلانه الأربعاء تريثه في المضي باستقالته، واستعداده لإجراء مشاورات مع القوى السياسية وفي مقدمها حزب الله، أبرز مكونات حكومته، يكون الحريري قد فتح الباب مجددا أمام تسوية سياسية بحسب ما يراه محللون.

ورغم الانقسامات السياسية إزاء ملفات كبرى، نجحت حكومة الحريري التي تشكلت قبل حوالي سنة، في تحقيق الاستقرار إلى حد كبير في بلد يقوم نظامه السياسي على تقاسم السلطة وفق حصص طائفية وعلى “ديمقراطية توافقية”.

ويقول الباحث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس كريم بيطار “عدنا إلى واحدة من تلك التسويات الهشّة التي لطالما اعتاد لبنان عليها، أي التسوية التي لا ترضي أحدا”.

وتسلم الحريري رئاسة الحكومة بموجب تسوية سياسية تضمن انتخاب ميشال عون، أبرز حلفاء خصمه حزب الله، رئيسا وتمثيل كل التيارات السياسية في الحكومة.

حزب الله بإمكانه أن يتخذ مبادرة حسن النية عبر فك ارتباطه باليمن، لترجمة سياسة "النأي بالنفس" التي لم يطبقها عمليا في أي يوم

ويرى الباحث السياسي والأستاذ الجامعي زياد ماجد أن “الهدف اليوم هو الحد من الأضرار”، معتبرا أن لبنان سيكون مجددا “في حالة انتظار وترقب” في محاولة لمنع الأمور من التدهور أكثر.

ولم يتردد حزب الله، الذي تشكل ترسانته العسكرية المادة الخلافية الأبرز في لبنان، في الترحيب بعودة الحريري، معتبرا أنها “تبشر بإمكانية عودة الأمور إلى طبيعتها”.

واعتبر الحريري، في خطاب استقالته، أن إيران “تطاولت على سلطة الدولة وأنشأت دولة داخل الدولة” واتهم حزب الله بـ”فرض أمر واقع بقوة سلاحه”، قبل أن يربط لاحقا عودته عن الاستقالة باحترام سياسة “النأي بالنفس”.

ويقول بيطار “من الممكن القول إن الحريري كسب المزيد من الوقت، لكن أيّا من مشكلاته لم تحل وقد يجد نفسه في الأشهر المقبلة عالقا بين نيران عدة”.

ويضيف “من جهة، عليه أن يواصل إدارة هذه الحكومة التي يشكل حزب الله جزءا منها، ومن جهة أخرى لن يكون باستطاعته الابتعاد عن الخط الاستراتيجي الذي حددته السعودية”، ما يعني أن عليه “أن يبرهن قدراته في الحفاظ على التوازن”.

ولطالما شكل لبنان ساحة للتجاذبات بين القوى الإقليمية وخصوصا سوريا والسعودية وإيران. وربط محللون استقالة الحريري بتصاعد التوتر بين الرياض وطهران خصوصا على خلفية أزمة اليمن.

ويقول بيطار “طالما لا يوجد اتفاق سعودي -إيراني حقيقي، من الصعب أن نرى كيف يمكن أن يكون لبنان بمعزل عن التقلبات الإقليمية”.

ورغم أن إنضاج أي تسوية حقيقية في لبنان لا يمكن أن يتم بمعزل عن توافق إقليمي عريض، إلا أن الحوار الداخلي في لبنان يبدو مطلبا سياسيا جامعا في الوقت الفاصل.

وفي مقابلة تلفزيونية، مساء الخميس، قال وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق المقرب من الحريري إن نزع سلاح “حزب الله” ليس مطروحا، لكنه شدد على أن لبنان لا يستطيع أن يتحمّل مسألة “تمدد حزب الله خارج لبنان”، في إشارة إلى دوره في صراعات المنطقة.

وتتهم السعودية حزب الله بدعم المتمردين الحوثيين في اليمن الذين قالت إنهم أطلقوا صاروخا باليستيا باتجاه أراضيها تمكنت من تدميره قرب مطار الرياض في الرابع من الشهر الحالي، اليوم الذي قدم فيه الحريري استقالته.

ويرى محللون أن بإمكان حزب الله أن يتخذ مبادرة حسن نية بفك ارتباطه عن اليمن، لترجمة سياسة “النأي بالنفس” التي لم يطبقها يوما عمليا. ويقاتل الحزب الشيعي إلى جانب قوات النظام في سوريا منذ سنوات.

3