عودة الخلافة أو لعنة أردوغان

الجمعة 2015/11/13

هل أصيبت تركيا بلعنة أردوغان، السلطان الذي يعتبر نفسه “أتاتورك” مضاداً؟

نتائج الانتخابات الأخيرة كانت مخيبة لآمال رافعي شعار استمرار الجمهورية، كما رسم خطوطها بيده معلم العلمانية مصطفى كمال أتاتورك. ما حلم به معارضو أردوغان لم يجد له تجسيدا من خلال الإرادة الشعبية.

لقد انتصر دعاة الخلافة شعبيا بطريقة سيسمح معها غرورهم لهم بالارتطام بما لم يكن من قبل مسموحا في التفكير بإعادة النظر فيه أو إعادة تعريف تفصيل صغير منه.

فحين يقول أردوغان “الحكم هو الشعب الذي يقول كلمته في النظام والديمقراطية” فذلك معناه أن المواجهة التي كانت ضمنية ومسكوتاً عنها، بل مؤجلة، صارت اليوم علنية بما يجعل منها موضع نقاش سياسي يومي بين الأتراك أنفسهم وأن أتاتورك بكل إرثه المقدس صار هدفا للإزاحة، باعتباره حجر عثرة أمام مسيرة التغيير التي يسعى زعماؤها إلى أن تفلت بتركيا من قدرها العلماني. علمانية تركيا التي كانت بمثابة بداهة عيش ستكون محل التباس. الأردوغانية، وهي تنويع تركي على الفكر الإخواني، ستكون في نسختها الجديدة أكثر خطرا مما كانت عليه من قبل. ذلك لأنها ستتصدى هذه المرة لمهمة بناء مشروعها السياسي، بمعزل عن خطط النمو الاقتصادي التي كان حزب العدالة والتنمية يتبجح بنجاحها المدوي.

أما في حقيقته فلم يكن ذلك النجاح الذي استثمره أردوغان وحزبه لصالحهما إلا حصادا لما زرعه الآخرون. غير أن السياسة شيء والاعتراف بالحقيقة شيء آخر. ولأن أردوغان قد تتلمذ على المكر والخداع، كونه وجها لعملته السياسية، فقد احتكر كل نجاح في حربه ضد الآخرين.

غير أن أعداء أردوغان وجلهم ينتمي إلى اليسار كانوا يدركون أن حربه ضدهم لن تكون إلا تمهيدا لحربه الأشد ضراوة، تلك الحرب التي يرغب الإخواني العتيد من خلالها في أن يحدث تغييرا عميقا في تاريخ تركيا.

التاريخ بالنسبة لأردوغان هو عقدة متأصلة. لذلك اختار أتاتورك عدواً.

فمثلما وضع أتاتورك تركيا على طريق العلمانية، سعياً منه لإنهاء عصر الخلافة العثمانية، فإن أردوغان يفكر في وضع تركيا على الطريق الذي غادرته يوم اعتنقت تركيا العلمانية نهجا لسياستها.

إن نجح أردوغان في مسعاه فإن التاريخ سيسجل للرجل أنه استطاع أن يعيد تركيا إلى الوراء، فيما يظل التاريخ يحفظ لأتاتورك فضيلة أنه تقدم بتركيا إلى الأمام، بحيث صارت عبر بضعة عقود من الزمن جزءاً من العالم المعاصر.

لعنة أردوغان التي أصيب بها الأتراك تكمن في إمكانية عودتهم إلى زمن الرجل المريض الذي كان بمثابة ملهاة بالنسبة إلى الغرب. لذلك لن يكون مستغربا لو أن الغرب رحب بالانتصار الأردوغاني الأخير. فتركيا الأردوغانية لن يتاح لها أبدا أن تدخل إلى محفل الاتحاد الأوروبي.

خبر لن يُسعد الأتراك الحائرين بين إسلاميتهم وأوروبيتهم.

تركيا الأردوغانية ستُستبعد من المحور الغربي من جهة الانتماء، غير أنها ستكون جزءا منه حين تحين الحاجة إليها باعتبارها ممثلة لجماعة الإخوان المسلمين التي فشلت في حكم مصر وصارت تصنف في غير مكان من العالم العربي باعتبارها جماعة إرهابية.

فكر أردوغان الإخواني سيقوده إلى ارتكاب خطأ من ذلك النوع. وهو الخطأ الذي سيواجه بعاصفة من التصفيق الغربي، لا لشيء إلا لأنه سيخلصهم من عقدة تركيا التي يقع الجزء الأكبر منها في آسيا.

سيكون أردوغان بطلا لخلاص أوروبا من تركيا. وهو ما سيلقي بظلاله السيئة على العالم العربي.

قبل أتاتورك كانت العلاقة بين العالم العربي وتركيا العثمانية سيئة ومليئة بالمرارات، فهل ستعود في زمن السلطان الجديد إلى سالف سيرتها؟

تصريف أردوغان للمسألة السورية يشي بما هو أسوأ. وهو ما يجب على العرب أن يحتاطوا له في المرحلة المقبلة.

كاتب عراقي

9