عودة الروح إلى مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي

بعد توقف دام 6 سنوات، نتيجة للأحداث السياسية التي شهدتها مصر، يستأنف “مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي” نشاطه مجددا في العشرين من شهر سبتمبر الجاري، ويستمر حتى الأول من أكتوبر، برئاسة الكاتب والمخرج المسرحي سامح مهران، وبعنوان “مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي”.
الاثنين 2016/09/19
المسرح التجريبي يستأنف مغامرته

تفتتح، الثلاثاء، بالقاهرة الدورة الـ23 من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي وقد تغير عنوانه السابق فقد أضيفت إليه كلمة “المعاصر” ليصبح اسمه “مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي”، نزولا عند رغبة الذين يريدون قطع صلته بالنظام السابق، نظام حسني مبارك.

حركة مسرحية

أكد سامح مهران مدير مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي في دورته الـ23 أن اختيار العروض المسرحية الأجنبية المشاركة، يخضع لمعيار فني بحت، موضحا أن لجنة المهرجان ألغت فكرة التمثيل السياسي للدول كونها فكرة ضارة بالمهرجانات.

وتطرق مهران إلى عنوان المهرجان “مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي”، قائلا «لا أنكر أن كلمتي المعاصر والتجريبي لغويا غير متفقتين، ومفهوم المعاصر معيار زمني، والتجريبي معيار إجرائي، ولكن لا يعني أن يكون المجرب منفصلا عن التراث، كذلك فكرة التجريب ملتصقة بفكرة الهوية، ولدينا الكثير من الهويات المكتسبة ولكن تنقصنا الهويات المفقودة، وتلك تكتشف بالتفاعل الحيوي بين الثقافات المختلفة».

من فعاليات المهرجان عقد بروتوكول تعاون بينه وبين الهيئة الدولية للمسرح التابعة لليونسكو، برئاسة الإماراتي محمد سيف الأفخم

وأوضح مهران بشأن اعتذار البعض من الفرق عن المشاركة، أن بعضها اعتذر لأسباب أمنية، وهي الكتلة الشرقية، مما ترتب عليه رفض دفع التذاكر للعروض المقرر لها المشاركة، وإن كانت الفرق نفسها لم ترفض المشاركة بدليل إرسالها لإدارة المهرجان طلب المشاركة ونسخة من العرض المسرحي، وقد نجحت محاولات إدارة المهرجان لحل تلك المشكلات بتدخل مباشر لوزير الثقافة الكاتب حلمي النمنم.

يشارك في المهرجان في دورته هذه 17 عرضا عربيا وأجنبيا من مختلف الدول و14 عرضا مصريا. وقد أعلنت إدارة المهرجان أن الدورة الجديدة تتمتع بالعديد من المزايا المختلفة والحديثة، مقارنة بالدورات الماضية، منها فكرة الإدارة الجماعية للمهرجان، وإلغاء نظام التسابق أسوة بالمهرجانات المسرحية العالمية.

تقدّم للاشتراك في المهرجان 79 عرضا مسرحيا من نحو 36 دولة، منها جميع الدول العربية وروسيا وأميركا والصين والهند وباكستان وشيلي واليونان وإيطاليا وروسيا وأرمينيا وبولندا والسويد. وقد جرى اختيار 21 عرضا فقط، من طرف لجنة مشاهدة تتكون من أساتذة مسرح ومخرجين هم: كرما سامي، إيمان عزالدين، أسماء طاهر عبدالله، صلاح عبدالصبور، رشا عبدالمنعم، وخالد رسلان، ورتّبت اللجنة العروض المختارة ليحل عرض محل عرض آخر في حال اعتذار أصحابه عن المشاركة.

المهرجان، الذي أُقرّت ميزانيته العام الماضي، سيعود بالنفع الكبير على الحركة المسرحية داخل مصر، فضلا عن دعمه ورشات متخصصة، تشرف عليها المخرجة دينا أمين، وإقامة ندوات فكرية ينسقها الناقد حسن عطية، الأستاذ في أكاديمية الفنون.

وفي ما يخص الندوات الخمس، التي يترأس لجنتها عطية، لفت مدير المهرجان إلى أن المسرح الجديد في العالم لا يجري وراء المعنى، ولكن يجري وراء الأثر الذي يتركه على جسد المتفرج نفسه، لذلك فإنه مقبول طرح أي عنوان قديم، لأن الطرح والسياق والتناول تختلف، ولأن المسرح ليس فن الإجابة وإنما فن طرح السؤال.

ومن جانبه، قال المخرج فهمي الخولي، عضو مجلس إدارة المهرجان، إن التلفزيون سحب الجمهور من المسرح، وساهم مهرجان المعاصرة والتجريب في التلاقي المعرفي بالثقافات الأجنبية، دون الاقتصار على مشاهدة أنفسنا في المرايا، على حد قوله.

وأضاف الخولي أن المهرجان مخصص لنوعية معينة من الجماهير، وهي الجماهير المحبة للحداثة والتطور، حيث تقدم لها وزارة الثقافة على «طبق» من فضة أحدث ما تم الوصول إليه من محاولات التجريب في العالم، لنكمل من حيث انتهى الآخر، حتى نطور من أنفسنا وإبداعاتنا، ومعاصرتنا، في واقع متغير ومتجدد، ونعيد للمسرح الحياة، مع الاحتفاظ بكل ما يتواءم مع ثقافتنا وعاداتنا.

المهرجان سيعود بالنفع الكبير على الحركة المسرحية داخل مصر فضلا عن دعمه ورشات متخصصة وندوات علمية مختلفة

واعتبر الخولي أن في الفترة الماضية كان المسرح المصري غارقا في التقليدية والكلاسيكية والجمود، ولكن بعد المهرجان التجريبي خلق خيالا آخر وصورة جديدة بدأ ينتهجها سواء في الإخراج أو التمثيل أو الكتابة وغيرها. ومن جانبه، قال المخرج عصام السيد، منسق عام المهرجان، إننا نواجه أزمة في مسألة البعثات المسرحية، لذلك نتطلع إلى الاستفادة والتلاقي مع المسرحيين الأجانب، موضحا أن التلاحم يُشكّل استفادة حقيقية من ناحية الأسلوب والفلسفة وغيرهما، مشيرا إلى أن التجريب ليس عيبا، وإنما التقليد الأعمى هو الخطأ.

ورشات وندوات

يضم المهرجان بالإضافة إلى العروض المسرحية عددا من الورشات ينفذها مسرحيون من الولايات المتحدة الأميركية والهند وأفغانستان وتشيلي، منها ورشة عن التمثيل المسرحي، وثانية عن الإخراج المسرحي، وثالثة تهتم بالحركة المسرحية والتمثيل، ورابعة عن الكتابة المسرحية، وخامسة عن السينوغرافيا والإخراج المسرحي. وسيشارك في هذه الورشات 80 شابّا وشابة، بمعدل 16 لكل ورشة، يُختارون من خلال اختبار يجرى لـ125 متقدما.

أما الندوات، التي سيشارك فيها نقاد ومسرحيون من دول عربية وصديقة، فستوزع على محاور عديدة، حيث ستُكرّس الندوة الأولى للمضامين التي قدمها المسرح التجريبي خلال السنوات الخمس الأخيرة، ومنها قضايا الإرهاب والتكفير. وتتضمن الندوة الثانية أوراقا بحثية عن كيفية نجاح المسرح في صياغة البنية الدرامية المرتبطة باللحظة الحالية التي نعيشها.

وستركز الندوة الثالثة على تجارب مجموعة من المسرحيين العرب المغتربين للتعرف على كيفية مقارباتهم لقضايانا في العالم، إلى جانب مائدة مستديرة تضم العديد من مسؤولي المهرجانات في العالم. ومن فعاليات المهرجان، أيضا، عقد بروتوكول تعاون بينه وبين الهيئة الدولية للمسرح التابعة لليونسكو، برئاسة الإماراتي محمد سيف الأفخم.

يُذكر أن مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي كان من أبرز المهرجانات المسرحية في العالم العربي، قبل توقفه، إلى جانب مهرجاني دمشق وقرطاج. انطلقت دورته الأولى عام 1988، واستمر في موعده السنوي (الأول من سبتمبر من كل عام)، بدعم مباشر من وزير الثقافة الأسبق الفنان فاروق حسني.

واحتل المهرجان مكانة عالمية كبيرة طوال 22 عاما، مستقطبا عروضا تجريبية لمخرجين وفرق مسرحية من ست قارات حفّز العديد منها المخرجين العرب على تعميق رؤاهم ومقارباتهم، وإطلاق العنان لمخيلاتهم ومغامراتهم الإبداعية. وعلى صعيد الثقافة المسرحية نشر المهرجان ترجمات للعشرات من الكتب العالمية حول نظريات المسرح وتقنياته وتجاربه، واستضاف كبار المسرحيين من الغرب والشرق في لجانه التحكيمية، وعقد ندوات متخصصة، ومناقشات للعروض المشاركة، وورشات تدريبية، وقراءات مسرحية، وغيرها من الأنشطة الأخرى ذات الصلة.

لكن المهرجان توقف عام 2011 مع الاحتجاجات الشعبية الحاشدة التي شهدتها مصر، وأدت إلى إنهاء حكم الرئيس حسني مبارك ومعه الوزير فاروق حسني. وفي العام الماضي طرح المسرحيون المصريون على وزير الثقافة جابر عصفور فكرة إعادة تنظيمه، فاستجاب على الفور، وأعلنت وزارة الثقافة، بعد وقت قصير، أنها ستعيد تنظيم المهرجان تحت مسمى جديد هو “مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي”، على أساس أن الثورات تغير عناوين الماضي.

15