عودة السوريين إلى بلادهم: بيتنا إن توفر أفضل من بيت الجيران

كبار السن يستعجلون السفر إلى ديارهم وذكرياتهم بينما يفضل شباب وضعية "لاجئ" على المصير الغامض في سوريا.
الجمعة 2019/02/22
كيف هي رائحة الوطن

السوريون الذين غادروا بلادهم قسرا وليس اختيارا يعيشون حالة انتظار العودة، ففي المخيمات يعيشون أوضاعا صعبة وفي بلادهم مازالت الأوضاع غير واضحة، هم في حيرة بين العودة والبقاء بعيدين عن الأهل والأحباب. كبار السن اختاروا الرجوع من حيث أتوا فلم يعد في العمر بقية ليقضوها في الغربة، أما الشباب فالخوف من التجنيد وقلة فرص العمل يجعلانهم يتريثون في اتخاذ القرار.

دمشق - يقول أبوخالد الذي رفض الإفصاح عن اسمه كاملا، خوفا على أشقائه في سوريا، “لن أعود إلا إذا أجبروني على العودة، هنا نعمل ونستطيع أن نؤمن طعام عائلاتنا، لكن إن عدنا إلى سوريا في الوقت الحالي، سنموت من البرد والجوع، أين سنسكن والدمار في كل مكان؟”، في حين يعتبر محمد الحمد (64 عاما) أن العودة واجبة على جميع السوريين، حتى “لا تختل التركيبة الاجتماعية للبلاد وتفرغ سوريا من سكانها”.

لا أحد من السوريين اللاجئين لا يشتاق إلى وطنه حيث تربى وترعرع وعاش قصص الحب في المدرسة والحي كما يقول الحمد، لكن رغبة العودة إلى مسقط الرأس، تختلف من لاجئ إلى آخر، فكبار السن يفضلون العيش ما تبقى من العمر والموت في بلدهم حيث تؤنسهم ذكرياتهم وجيرانهم، لكن الشباب حائرون بين رائحة البلد وضبابية المستقبل لذلك يفضل بعضهم الغربة بسبب العراقيل في الإجراءات الإدارية للعودة، فمن خرج من نقاط العبور القانونية بجواز سفر نظامي، ليس كمن خرج تهريبا، ناهيك عمن يعيش في لبنان، فهو ليس كمن يعيش في الأردن أو أي بلد أوروبي آخر.

وطن بلا بيت كالغربة في الخيام

يقول أبوخالد (33 عاما) “لا معنى للعودة الآن، كل من عادوا نادمون، لا غاز ولا كهرباء والبيوت مهدمة، لكن لا أحد ممن أعرفه ينكر شوقه لبلاده ومدينته وحارته، فالذكريات وحدها كفيلة بأن تعود بنا إلى هناك لكن ليت الأوضاع تتحسن لتحقيق العيش الكريم في سوريا”.

ولم يختلف إسماعيل الخشارفة (41 عاما) عن أبوخالد، حيث قال “بيتي تهدم، ماذا سأفعل عندما أرجع؟ أغلب الذين أعرفهم يعيشون في الأردن ومنهم أقربائي كذلك، لا بيت لهم هناك، ثم إني لم أسمع بعودة أحدهم”.

ويعود سبب خوف السوريين من العودة إلى الديار إلى الوضع الأمني، وتهدم البيوت ونقص المؤن، إضافة إلى مسألة التجنيد الإجباري والخدمة الاحتياطية في جيش النظام، وهي المشكلة التي تؤرق الشباب خاصة ممن عاشوا طفولتهم بعيدا عن سوريا.

يقول المتحدث الرسمي باسم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في الأردن محمد الحواري “إن عودة اللاجئين تتطلب أيضا ضمان توفير سبل العيش الكريم وتهيئة الظروف المناسبة له وعلى رأسها السكن، وهو ما يستلزم تضامنا دوليا وتنسيقا مع الأمم المتحدة”.

اللبنانيون يودعون السوريين
اللبنانيون يودعون السوريين

نضال القصاب (43 عاما) من الخالدية التابعة لمحافظة حمص، يقول “لا أفكر في الرجوع نهائيا، البلد مدمر، كما أني لم أسمع بعودة أحد من أقاربي”، مضيفا “تم اعتقالي أثناء تواجدي في سوريا لمرتين، ولو عدت سيتم اعتقالي على الفور”.

ويؤكد أن “من يعود وهو مطلوب من طرف النظام سيتم اعتقاله مجددا، وقد سمعنا عن بعض الحالات، ومن ليس مطلوبا يتم سحبه إلى التجنيد الإجباري أو إلى الخدمة الاحتياطية في جيش النظام”.

نقص الخدمات أيضا لا يشجع السوريين على العودة الآن، فالبلد ما زال في حالة فوضى، ولا يمكن للمرضى الحصول على الخدمات الطبية ولا على الدواء، إضافة إلى تكاليف الحياة التي يؤكد أغلب اللاجئين أنهم غير قادرين على تحملها، كما يشير عبدالرحمن الصفدي (55 عاما)، الذي يقول إنه يعاني من أمراض عدة، ولن يجد علاجه في سوريا، “الحياة صعبة ومقومات الحياة لا تتوفر، وإن توفرت فهي غالية الثمن ولا نملك المال”.

التجنيد الإجباري بالجيش، وإعادة الاحتياط وعدم حيازة جواز سفر، أكثر الأسباب التي تقلق اللاجئين السوريين من العودة، فقد طغى ذلك على أحاديثهم،، يقول إبراهيم الزعبي إن “أولادنا كبروا هنا، وهربنا بهم من الموت، فهل نعود بهم لنسلمهم للموت بأيدينا؟ لو لم تكن سوريا في حرب الآن، فلا مشكلة لدينا مع الخدمة العسكرية، ولكن في ظل هذه الظروف لن نعود بهم ونسلمهم للموت بأيدينا”.

لا ينكر الزغبي أن “رائحة الوطن لا تشبه رائحة أي بلاد أخرى، وحدها تملأ الصدر، وتنعش المغترب، وخاصة الكبار الذين تربوا وعاشوا وحلموا في سوريا، إلا أن الحرب حرمتهم من مواصلة حلمهم، كل العائدين أو غالبيتهم من كبار السن، لأنهم حريصون على أن يعودوا إلى بيوتهم أملا في أن يموتوا على تراب سوريا بعد أن تقدم بهم العمر، لكن الشباب لا يفكرون نهائيا في العودة”.

ويضيف “لدينا مشكلة كبيرة جدا، وهي التقارير الأمنية المزيفة التي كُتبت في الكثيرين منا، ورغم قناعتهم بأنها مزيفة، إلا أنه لا يتم تجاهلها، وتتعامل معها أجهزة أمن النظام، ما يعني أن الكثيرين سيطلبون للجهات الأمنية، ومصيرهم لا يعلمه إلا الله”.

ولا يزال اللاجئون السوريون يتخوفون من العودة إلى سوريا، ويقابلون دعوات النظام السوري لهم إلى الرجوع بالتشكيك الناجم عن فقدان الثقة، وذلك بسبب تكرار حالات الاعتقال التي تعرض لها العائدون.

اعتقال وتجنيد

الحنين إلى البلد يدغدغ الشبان السوريين، فمع منح النظام السوري إمكانية زيارة سوريا للمتخلفين عن الخدمة العسكرية دون أن يتعرضوا للتنجيد الإجباري، انطلق الشاب نضال (26 سنة) لإتمام إجراءات الزيارة التي اعتبرها بداية العودة النهائية، قائلا “عندما صدر القرار سارعت إلى السفارة السورية في عمان لتقديم طلب الزيارة، وعلمت أنه من خلال تلك الورقة أني أتمكن من دخول سوريا لمدة أسبوعين دون أن يتعرض لي أي أحد، وأنه لن يتم سحبي إلى الخدمة العسكرية”.

ويضيف “ذهبت إلى سوريا ولم يتعرض لي أي أحد على الحدود، ولكن عندما قررت المغادرة لم يسمح لي بالمغادرة، وطلبوا مني مراجعة شعبة التجنيد. وعندما راجعت الشعبة قيل لي بأنني ممنوع من السفر لأنني كنت قد غادرت الأراضي السورية بعد تخلفي عن الخدمة لمدة ستة أشهر، وبذلك لا يحق لي مغادرة البلاد مجددا قبل تسوية وضعيتي، إما بتأجيل الخدمة العسكرية وإما بالالتحاق بها”.

الوطن أفضل من الغربة
الوطن أفضل من الغربة

أما بالنسبة إلى اللاجئين في لبنان، فهم يستعجلون العودة لصعوبة حياتهم وغلاء المعيشة، فالعناء والفقر في الديار أفضل من مرارة العيش في الملاجئ، تقول ممثلة المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان ميراي جيرار “إن نحو 88 بالمئة من اللاجئين السوريين داخل الأراضي اللبنانية، يرغبون في العودة إلى وطنهم”. وكشفت جيرار النقاب عن أن ثلاثة أرباع اللاجئين السوريين يعيشون تحت خط الفقر، أي لا يتعدى دخلهم 4 دولارات في اليوم، ونحو نصفهم يعيشون تحت خط الفقر المدقع أي أن دخلهم لا يتعدى 3 دولارات في اليوم، لذلك يفضل أغلبهم العودة إلى وطنهم.

وتؤكد أن الدمار ليس ما يمنعهم من العودة، وأن إعادة إعمار البيوت ليست عائقا، وإنما المخاوف على أوضاع أسرهم وذويهم وأوراقهم الثبوتية لهم ولممتلكاتهم وبطاقات الهوية.

حنين لا يقاوم

المواويل والعتابا الحزينة عن حال الأحباب وغيابهم، والأغاني الشعبية التي تتغنى بالعودة، تجمع السوريين في سهرهم الليلي وأعيادهم، ففي العيد يحس هؤلاء بأنهم وحيدون رغم أن بعضهم مجتمع مع العائلة، لكن ينقصهم الوطن كما يقول محمد الحمد “فالأغاني تخفف لوعة الحزن“.

الحمد الذي يشتاق إلى الديار، يخطط للعودة إلى بلده الذي قضى فيه سنوات العمر الجميلة، كما يقول، حيث الأهل والأصدقاء، وهو لا يخاف على نفسه بقدر خوفه على أطفاله، وفي ذلك يقول “قبل كل شيء يجب أن يكون هناك عفو عام، وخاصة عن أبنائنا الذين كبروا خارج البلاد، حتى لا يتم سحبهم إلى العسكرية”.

ويضيف “عندما يتحقق ذلك نعود، ولكن في ظل الأوضاع الحالية لن نستطيع تأمين متطلبات الحياة، لذلك لا بد للأمم المتحدة أن تحول مساعداتها إلى الداخل”.

وإذا كان محمد يخطط للعودة، فالعديد من السوريين اللاجئين في الأردن عادوا فعلا، فلقد حضر الحاج عزو إلى الأردن هربا من القصف وحده مع الجيران، وظل لا يعرف شيئا عن عائلته، لكنه بعد أن وصل إلى طرف خيط يوصله إلى عائلته فضل العودة، خاصة أنه لا يخشى من الاعتقال كما أنه لا يستطيع العيش بعيدا عن أبنائه وقريته الصغيرة في حمص.

سناء الدرعاوي أيضا لا تعرف العيش بعيدا عن العائلة، فهي التي تسند ظهرها وقت الشدة كما تقول، هي شابة في مقتبل العمر، أقامت دون عائلتها لسنوات في مخيم الزعتري، لكنها اختارت العودة مع إعادة فتح معبر نصيب لتبحث عن عائلتها التي عثرت عليها مهجرة في الداخل وتواصل العيش معها حتى في أحلك الظروف، تقول “لا كرامة في الغربة وخاصة في المخيمات، أنا أعيش في سوريا على أمل أن يتحسن الوضع ونعود إلى حياتنا الطبيعية، لا شيء مستحيل هنا كاستحالة الحياة في المخيمات”.

لا أحد من السوريين اللاجئين لا يشتاق إلى وطنه
لا أحد من السوريين اللاجئين لا يشتاق إلى وطنه

من واجه المصاعب في المخيمات يستطيع أن يواجه المصاعب في بلده، هذا حال أدهم الذي عاد إلى مدينته مارع في حلب، يقول “عدت إلى مارع مع عائلتي، وواجهتنا في بداية الأمر عدة صعوبات، كقلة فرص العمل، وعدم ضبط الأسعار وبالتالي الغلاء، بالإضافة إلى الفلتان الأمني، لكن اليوم تبدو الأمور أفضل بعد أن أخذ الاستقرار طريقه إلى المنطقة نسبيا، وأنا على الصعيد الشخصي تمكنت من الحصول على وظيفة، ورغم أن المرتب ضعيف، إلا أن ذلك أفضل من البقاء من دون عمل”.

لقمة الطعام التي ينتظرها اللاجئون لساعات في طابور طويل إن وجدت جعلت بعضهم يقتنعون بأن سوريا في أحلك الظروف أفضل حال من انتظار المساعدات في بلاد ليست بلادهم كما يقول مروان البسطي الذي جاء من قرية الطيبة جنوب دمشق، يقول “يوميا نقف بالطابور لساعات حتى نتلقى معونة، ويوميا نحس بالقهر والعجز”، مؤكدا بحرقة “نموت بشرف وكرامة في سوريا أفضل من أن نذل هنا. الوضع هناء صعب، لو كنا نعلم لما أتينا”.

أما  أبوعصام (52 عاما) من درعا فقد وقف في أول الطابور في المخيم مع أبناء عمومته الذين تجمعوا قرب الحافلة التي تنقل اللاجئين إلى سوريا، قائلا إن “السوري يفضل العودة إلى موت محتم على أن يبقى يتجرع مرارة اللجوء”.

ويضيف أن “اللاجئين لم يعودوا يحتملون الغربة، والبعض يعود إلى سوريا رغم الدمار الذي حل بها واستمرار الحرب”.

ويشير إلى أن زوجته وولديه وابنته تركوه وعادوا إلى سوريا مؤخرا “بسبب الأوضاع غير الإنسانية في الغربة”.

بنبرة يتخللها الحزن والحنين، تقول العجوز أم حسن التي تنتظر فرصة عودتها إلى مدينة الباب في محافظة حلب حيث قضت كل سنوات عمرها “اشتقت إلى بلدي، عندما أتيت كنت أظن أني سأبقى لأيام أو أسابيع فقط، لكني لا أقوى على البقاء مدة أطول، الوضع مزر هنا، لا أريد أن أموت بعيدة عن بلدي”.

20