عودة الضفة إلى الأردن

الأحد 2016/08/21

أطال الله في عمر الرئيس الفلسطيني محمود عباس، فهذا الرجل من كبار المثقفين الفلسطينيين والعرب، خصوصا فيما يخص الإسلام السياسي، وهو بلا شك شخصية تاريخية وصلت في وقت غير مناسب، ربما وصلت مبكرة جدا وربما وصلت متأخرة جدا.

تآمر الكل على محمود عباس، الإيرانيون والإسرائيليون خصوصا، وهناك غيرهم من الدول العربية وغير العربية، فإسرائيل تفضّل أن يمثّل القضية شخصية متطرفة أو منظّمة إرهابية لتجهز أكثر على فلسطين أرضا وشعبا، وإيران وبعض العرب وبعض غير العرب أرادوا ضرب استقلال القرار الفلسطيني الذي بناه الزعيم التاريخي الراحل ياسر عرفات. أخطأ عرفات أحيانا وأصاب أحيانا أخرى، لكنه غالبا – وربما دائما- كان مستقلا.

تآمر الإسرائيليون والإيرانيون على فلسطين وعلى محمود عباس. انبرت إسرائيل لضرب الاعتدال والتحضر والمدنية في فلسطين. وتفرغت إيران لخلق الانشقاق الفلسطيني وترسيخه متاجرة بالقضية لدعم مشروعها التوسعي في العالم العربي.

مشى محمود عباس على الجمر بين نقاط المطر، قاتل من أجل وحدة الصف الفلسطيني، لكن من ظنّهم شركاء الوطن أصبحوا عملاء شهوة السلطة إن لم يكونوا عملاء الخارج، استباحوا حرمة الدم الفلسطيني وحاولوا قتل عباس غير مرة، لكن الله سلّم.

مرة أخرى أقول، أطال الله في عمر الرئيس محمود عباس، لكن مرحلة هذا الرجل على رأس القرار الفلسطيني أعطتنا دروسا بمثابة حقائق. خاض الرجل حروبا مرّة وقاسية لتعزيز الاعتراف بفلسطين على الصعيد الدولي. ونجح عن جدارة على صعيد الدول. ونجح كذلك في الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية. خطوات صغيرة، لكنها في ظل توقف مسار السلام، تعد قفزات مبهرة بالنظر إلى نتائجها المستقبلية المهمة، إذا استمرت معايير المستقبل كما نعرفها أو ضمن إدراكنا.

بعد مرحلة الرئيس محمود عباس، ربما تسير الأمور في اتجاه آخر، فتشظي الدولة العربية ربما لا يسمح بقيامة الدولة الفلسطينية. العالم العربي على خط الزلازل والبراكين والأعاصير. العرب في قلب الجحيم وإسرائيل في برّ الأمان، وانعكاس ذلك سلبي بالضرورة على فلسطين.

غاندي فلسطيني يشعر باليتم في زمن الإرهابيين

بدأت هذه الدلائل في التجسد واقعا منذ انطلاق الربيع العربي، العرب في صراع مكشوف مع الإرهاب أو مع الاستبداد أو مع الحروب الأهلية أو مع الجوار الإقليمي. انشغل العرب بإنقاذ أنفسهم فكيف يهتمّون بفلسطين وكيف يعملون من أجلها؟

قد نضطرّ يوما إلى طرق الأبواب المحرّمة، ربما تجبرنا الظروف على مراجعة التاريخ وتفهّم الجغرافيا، وعلينا منذ الآن أن نستعد لقرارات قاسية إذا استدعت الظروف، وإذا لم تستدع، كفى الله المؤمنين شر القتال، والحصيف من يتحسّب للأسوأ.

دعونا نسترجع التاريخ، تأسّست منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964 بإيعاز من الرئيس المصري جمال عبدالناصر. وكان من أهداف عبدالناصر ضرب المملكة الأردنية الهاشمية وملكها الحسين بن طلال الذي يعدّ من أهم الشخصيات السياسية العربية في القرن العشرين تماما مثل عبدالناصر.

استغلّ عبدالناصر الحساسية بين شرق الأردن وغربه، أو بين الأردنيين والفلسطينيين، صبت الماكينة الإعلامية الناصرية زيتها الدعائي على النار، تم اتهام الجيش الأردني في ذلك الوقت بتجاهل انتهاكات إسرائيل في الضفة الغربية، وبالعودة إلى الأرقام والوثائق، لم يكن الجيش الأردني -آنذاك- قادرا على الدفاع عن نفسه أصلا، على عكس الكفاءة الواضحة التي وصلت لها الأجهزة الأمنية الأردنية اليوم.

اختار عبدالناصر لقيادة المنظّمة رجلا يمثّل البراءة الثورية، مع أنه من خيرة الكفاءات العربية في ذلك الوقت، إنه أحمد الشقيري. استقال الشقيري من قيادة المنظمة سنة 1967 بعد النكسة المذلة لأنه تصادم مع الزعماء العرب ومع رفاق الدرب. وفي بيان استقالته قال جملة نادرة “لا أستطيع العمل مع الملوك والزعماء العرب، ولا أستطيع العمل من دونهم، وهذه هي المشكلة”.

وصل ياسر عرفات إلى رأس القرار الفلسطيني وارتكب أخطاء مميتة في مشواره السياسي، فمن أجل فلسطين حاول ابتلاع الأردن ثم حاول ابتلاع لبنان، وكانت الفاجعة تأييده لصدام حسين في غزو الكويت، ومع ذلك فإن ما قدمه عرفات لفلسطين يفوق أخطاءه القاتلة، لكن ما يهمني هو لحظة فارقة شكلت ضغطا إضافيا على قضية فلسطين، إنها القمة العربية السابعة في الرباط عام 1974 التي أقرت منظمة التحرير ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني.

هذا القرار أضعف القضية بقصد أو بلا قصد، فحين حملت الأردن هذه المسؤولية وتحمّلتها، تصدرت دولة عنوان القضية، وحين انتقلت المسؤولية إلى منظمة التحرير، جلست منظمة في صدارة القضية، وشتان بين تعامل دولة مع دولة، وتعامل دولة -سواء كانت إسرائيل وغيرها- مع منظمة، وشتان بين تعامل المجتمع الدولي مع دولة وبين تعامله مع منظمة. اتضحت هذه الزاوية جليا في معاهدة أوسلو، التي أعتبرها من أهم المعاهدات السياسية. اعترفت المنظمة بدولة إسرائيل بينما اعترفت إسرائيل بمنظمة التحرير ممثّلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني، وشتان بين الاعترافين، ويغلب الظن أن النتيجة ستختلف جذريا لو كان الأردن في موقع السلطة الفلسطينية آنذاك.

لا أريد الوقوع في الخطأ الذي أحذّر منه، أي محاكمة الماضي بعين الحاضر، لم يكن بالإمكان أفضل ممّا كان، ما كانت منظمة التحرير لتولد لولا ظروف موضوعية فرضت وجودها، لكن ما ألفت إليه النظر، هو احتمال حضور ظروف موضوعية حاضرة ومستقبلية توجب زوالها، فلا قيامة للمنظمة ولا للقضية الفلسطينية من دون العرب، لكن أين هم -بالله- العرب؟

لا مشروع سلام ولا مشروع حرب مع إسرائيل من دون الدولة العربية، وفي أتون الصراع الطائفي في المنطقة وتكالب الجوار القريب والبعيد على العرب، أصبحت الدولة العربية مهددة أكثر من أيّ وقت مضى.

وبالنظر إلى هذه المعطيات ينبلج السؤال، ما هو مستقبل منظمة التحرير وما هو مستقبل فلسطين قضية وشعبا ودولة؟ إن محبّي فلسطين، وأنا منهم، يتمنون أن تعود الثورة الفلسطينية التي بزغت سنة 1936. ويتمنون أن تخوض الدول حربا هجومية ضد إسرائيل كتلك اليتيمة التي أعلنها الملك فاروق -رحمه الله- سنة 1948 بغض النظر عن نتائجها. ويتمنون أن تعود أيام السلام وأحلامه التي عاصرناها حتى اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين. ويتمنون أن يعود مثيل لرئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون ليعلن مشروع الانسحاب من طرف واحد. هذه التمنيات ليست متناقضة، لأن هدفها الوحيد هو إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني. ولا تحدّثوني عن سخف ما يسمّى بالمقاومة، فهذه التجربة الخادعة قائمة ضد مفهوم الدولة، فمن يحارب الشرعية الفلسطينية والدولة المصرية كحماس، ومن يحارب الدولة اللبنانية والسنّة والعرب كما يسمى بحزب الله، لن يقيم دولة فلسطين، كما أن هذه الفصائل -للأسف- أثبتت ارتهانها للخارج، وقتلاها من العرب يفوق عدد قتلاها من إسرائيل. والأهم أن هذه الميليشيات تحمل مشروعا اجتماعيا وثقافيا يمثل ذروة الرجعية بكل أبعادها العنصرية والتسلطية. ومن يحمل هكذا مشروعا يستحيل أن ينتصر، بل يجب ألاّ ينتصر، لأن نتائج مشروع رجعي على الذات تفوق أضراره مشروع شر من الآخر.

تآمر الإسرائيليون والإيرانيون على فلسطين وعلى محمود عباس. انبرت إسرائيل لضرب الاعتدال والتحضر والمدنية في فلسطين. وتفرغت إيران لخلق الانشقاق الفلسطيني وترسيخه متاجرة بالقضية لدعم مشروعها التوسعي في العالم العربي

في ظل المعطيات السابقة، قرأت قبل سنوات، تقريرا صحافيا يتيما من داخل الأراضي الفلسطينية، تحدث عن تداول مشروع الدولة الواحدة بين شرائح فلسطينية، أي دولة تحتضن الإسرائيليين والفلسطينيين تحت قيمة المواطنة، ولست أدري مدى فرص هذا المشروع، لكن مصيره واضح بسبب توقف الحديث عنه، ولا أعارضه لو نضجت ظروفه وأسبابه، لأنه -على الأقل- سينسف إسرائيل من الداخل على المدى البعيد.

على كل حال، ما أدعو إليه هو تفكير مستقبلي، بإعادة التفكير في عودة الضفة الغربية إلى الأردن، في حال تدهور الظروف الراهنة، فهذا المشروع يستند إلى أبعاد تاريخية وسياسية، أهمها المبادرة العربية للسلام، التي طالبت إسرائيل بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها سنة 1967. وإسرائيل استولت على الضفة من السيادة الأردنية. وأستشهد بخطاب تأسيسي لأحمد الشقيري “هدف منظمة التحرير ليس الضفة الغربية إنما غرب الضفة الغربية”، ربما لا يقوم هذا المشروع بإضعاف إسرائيل في حينه، لكنه قطعا سيقوّي الموقف العربي والفلسطيني والأردني تفاوضيا، وأتصور أن مشروعا كهذا يمثل ضغطا أكبر على إسرائيل، إذ يسحب ذرائعها الأمنية المريضة بحكم تجربة السلام الناجحة بينها وبين الأردن.

إنني أتفهم كل التساؤلات التي تظهر حين نتناول العلاقات الأردنية والفلسطينية. وهذه التساؤلات التي تصل أحيانا إلى حدّ التحفظات تستند إلى مسببات حاضرة وماضية لا يمكن إنكارها أو تجاهلها، لكن فلنجرّب التخطيط مرة بمعايير المستقبل لا بمعايير الماضي، إذا أن تطوير الدولة الأردنية بترسيخ قيمة المواطنة وتعزيز الإصلاح السياسي والاجتماعي يمكن أن يستعيد الضفة ويعالج رواسب التاريخ، والأهم أنه قد يصالح بين التاريخ وبين الجغرافيا، وسيساهم في تدعيم مكانتها السياسية والاقتصادية والثقافية فضلا عن ثروتها البشرية، وسيرتاح الفلسطينيون من الكابوس الإسرائيلي.

قد يأتي من يقول إنني من دعاة تصفية القضية الفلسطينية، إذ دعوت قبل أيام بأن تستعيد مصر قطاع غزة، وأدعو اليوم بأن تعود الضفة إلى الأردن، ومن الواجب هنا التنبيه بأن مصطلح “تصفية القضية الفلسطينية” ليس له أيّ معنى مطلقا، فحين تضع هدفا واضحا عنوانه إنهاء الاحتلال وحلّ الصراع يصل التفكير إلى نتائج واضحة وراشدة.

وقد يأتي من يقول إن كل هذه الأفكار والمشاريع لا جدوى منها لأن إسرائيل لا تريد السلام، وهذه حجة عليهم لا لهم، فالعقل السياسي يجب أن يبتكر الحلول التي تتعامل مع الواقع بدلا من تجاهله، والواقع الذي أقصده يشمل إسرائيل ويشمل العرب أيضا ويشمل كذلك معاناة الشعب الفلسطيني.

وقد يأتي من يقول إنه لا سلام وإسرائيل ترى نفسها دولة يهودية، فلتكن إسرائيل دولة يهودية إذا كان المقابل عروبة فلسطين وخلوّها من المستوطنات، وأصحاب هذه النظرية هم من رفضوا سابقا تدويل القدس مع أنه مخرج وسطي من عقائد الاحتلال والتحرير، أن تكون القدس مدينة عربية (فلسطينية أو أردنية) أو دولية أفضل ألف مرة من واقعها الإسرائيلي.

رحم الله ياسر عرفات، حمل مسدسه في يمناه وغصن الزيتون في يسراه، أما محمود عباس فحمل غصن الزيتون في يمناه وفي يسراه، غاندي فلسطيني يشعر باليتم في زمن الإرهابيين، ورجل دولة عربي في عصر انهيار الدولة العربية، كان عرفات يحمل غصن زيتون نضر، لكن الغصن وصل محترقا إلى يد محمود عباس، تكالب أعداء العرب وفلسطين وتكاثروا، كنا نشكو من إسرائيل وحدها، واليوم نشكو من الإسرائيليين والإيرانيين وجماعات الإرهاب وحكام الاستبداد والخطاب الطائفي ونشكو أيضا من أنفسنا، انتبهوا فقد يكون محمود عباس آخر رمز فلسطيني نعرفه، أو آخر رمز عن فلسطين التي نعرفها، أما إسرائيل التي ستزول حتما في يوم ما، الأفضل أن نتعامل معها بمنطق المبادرة لا منطق الانتظار الذي تستفيد منه إسرائيل حصرا وحتما بإطالة عمرها القصير.

صحافي سعودي

6