عودة العلاقة السورية الأميركية سراب أم حقيقة

الثلاثاء 2014/07/22

توسعت الأزمة السورية إلى خارج الحدود، وساهمت في تدهور الوضع الأمني في العراق، وجزئياً في لبنان، وتوسع نفوذ الجماعات الجهادية التكفيرية، وهو أمر لاشك مقلق بالنسبة إلى الأميركيين، مما دفع بعض وسائل الإعلام الأميركية إلى الترويج لفكرة أن إدارة باراك أوباما قد تتعاون مع بشار الأسد لمكافحة الإرهاب القادم من كل أنحاء العالم، لكن مسؤولين أميركيين قطعوا الشك باليقين، وأكّدوا أن نظام الأسد هو ذلك المغناطيس للإرهاب في المنطقة وأن الإدارة الأميركية وصلت إلى مرحلة اللاعودة معه.

أي كلام عن إمكانية عودة العلاقات بين الولايات المتحدة والنظام السوري هو بمثابة النصر للنظام السوري، وربما الوسيلة الوحيدة لعودته إلى المجتمع الدولي من جديد، فهذا الأمر بالتأكيد بيد الولايات المتحدة لا روسيا.

صحيح أن طريقة تعامل الإدارة الأميركية مع الملف السوري محيّرة وغير واضحة، وردات فعلها بطيئة جداً، وصحيح أيضا أن الرئيس أوباما لم يُقدِم على أي خطوة تنفيذية تسهّل على المعارضة السورية الإطاحة بالأسد أو عزله، إلا أن كل ما صدر عن البيت الأبيض ـ حتى الآن على الأقل ـ يؤكد أن الأسد لا يمكن أن يكون جزءاً من الحل، وأن الولايات المتحدة لن تتعاون معه على الإطلاق، لكن من المهم والضروري ألا يغيب عن الذهن أن مواقف الولايات المتحدة السياسية والعسكرية تخضع دائما للمراجعة من حين إلى آخر.

وسائل الإعلام الأميركية التي تصف الأسد بـ “الديكتاتور” كشفت أن بعض المسؤولين الأميركيين يرون أنه يجب التركيز على استقرار المنطقة ودعم الدول التي تكافح الإرهاب وليس العمل على إضعافها، مما يعني أنه في ميزان الرؤى الأميركية للنظام السوري الأفضلية عن الفوضى التي بدأت تضرب سوريا.

حاشية أوباما تؤكّد على أنه لم يغيّر موقفه ولا يزال يعتبر تنحي الأسد شرطاً لأي انفراج في سوريا، بل وتذهب إلى أبعد من ذلك بالربط بين وجود (داعش) في سوريا وفشل قدرة الأسد على الحكم وفقدانه للشرعية، وتشدد على أن الحل في دعم المعارضة المعتدلة، في إشارة إلى طلب الرئيس من الكونغرس مبلغ نصف مليار دولار لدعمها.

صحيح أن هناك بعض الأصوات الأميركية لا ترى مشكلة في دور يلعبه الأسد أو دور ما تلعبه إيران في المرحلة الانتقالية، لكن هذا التوجّه يلقى معارضة كبيرة من غالبية المسؤولين الأميركيين وصنّاع القرار ومنهم السيناتور جون ماكين الذي يرى أن الأسد لن يرحل من دون تدخل عسكري مباشر أو تسليح نوعي مباشر، ويشجّع على ذلك، وهو المطلب الدائم للمعارضة السورية السياسية والعسكرية.

رغم هذا، اقتصر الدعم الأميركي للمعارضة السورية حتى الآن على مساعدات “غير فتاكة”، وكل ما وصل من مساعدات توجّه إلى الإغاثة والتدريب والمساعدات الإنسانية وما شابه، ولم يصل أي سلاح لمحاربة النظام و(داعش) في نفس الوقت، ولا حتى للمساعدة في تعديل ميزان القوى مع النظام لإرغامه على القبول بحل سياسي.

واقعيا، لا تبدوا الولايات المتحدة في عجلة من أمرها، لا لإسقاط النظام السوري، ولا لأي اختبار قوة مع روسيا، وهي تتخذ موقف المراقب لا الفاعل، وهو أمر حيّر المراقبين، عرباً وغربيين، فهل هذه اللامبالاة الأميركية سياسة جديدة مبتكرة، أم أنها نتيجة ضعف أسلوب الرئيس أوباما.

بعد انتشار نار الحرب السورية إلى الجوار، توقّع كثيرون أن تتحرك الولايات المتحدة بقوة، وأن تضع حداً للتدخل الإيراني في العراق، وأن تلاحق تنظيم (داعش) في كل من العراق وسوريا دون أن تقف الحدود الجغرافية عائقاً، وأن تمدّ المعارضة السورية بالسلاح اللازم لتستطيع وضع حد للنظام بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، لكنها عمليا لم تقم بشيء بل طالبت المعارضة السورية المسلّحة بالقيام بكل هذا العبء وحدها.

تريد واشنطن بديلا عن الأسد من المعارضة السورية، لكنها تضع شروطا للقبول بهذا البديل، منها أن يكون معتدلا وغير إسلامي وقويا وقادرا على محاربة النظام والجماعات الإسلامية التكفيرية ومقبولا جماهيرياً وقادرا على السيطرة على سوريا في المرحلة الانتقالية وقادرا على منع الانتقام الطائفي بعد سقوط النظام، وهي شروط أقرب إلى التعجيزية.

لم يعد بمقدور المعارضة السورية أن تتحرك من دون مباركة الأميركيين وبعض الدول العربية، وهو أمر أفقد السوريين مفاتيح الحل وسلّمها لتلك الدول، وزادها تدخّل روسيا وإيران إلى جانب النظام مما جعل إسقاطه أكبر من قدرة هذه المعارضة.

كل ذلك شكّل رافعة للنظام مكنته من الاستمرار ودفعته إلى استخدام كل قدراته النارية ضد المعارضين وحاضنتهم الشعبية، وتأتي أخيرا واشنطن لتطلب من المعارضة خوض حرب على جبهتين، ضد النظام وميلشياته وضد التكفيريين والجهاديين، وهذا يتطلب موارد هائلة غير متوفرة.

لاشك أن واشنطن مهتمة بمصالحها أولاً وبأمن إسرائيل ثانياً، ولن يمانع الرئيس أوباما أن يعقد صفقة مع الإيرانيين أو مع النظام السوري إن رأى في ذلك مصلحته ومصلحة شريكته العبرية، لكنه لاشك أنه يدرك أن أي صفقة من هذا النوع لن تحقق شيئاً للسلام في المنطقة، إن كان في سوريا أو العراق أو غيرهما، بل ستطيح بالسلام الإقليمي وتحوّل جزءاً من العالم إلى فوضى وخراب، مع وجود أطراف أخرى لها وزن وقدرة غير محدودة على مواجهة ما أصبح يُعرف باسم الهلال الشيعي.

ما يلفت النظر أن الولايات المتحدة تجلس وتراقب تردّي الوضع في سوريا والعراق، لا تفعل شيئاً سوى إحصاء أخطائها، فلا هي ربحت الحرب على الإرهاب ولا هي ربحت صداقة وثقة الشعوب الثائرة، لكن آن الأوان لأن تتحرك بعد أن تسببت سياستها في وصول الأحوال في سوريا والعراق إلى حافة الهاوية.

لاشك أن الحرب في سوريا مدمّرة لها ولجوارها، والجزء الأكثر بشاعة لم يأت بعد، والتقسيم الذي قد تفكر فيه الولايات المتحدة ليس حلاً، فحرب التقسيم ستكون صعبة ومُهشِّمة إن بدأت، وستأخذ وقتاً طويلاً وستُرسم الخرائط بالدم، والحل الوحيد هو فرض حل سياسي مُلزم لكل الأطراف بقرار دولي قبل انتشار النار لبلد ثالث في الإقليم.

إعلامي سوري

6