عودة العمود الشعري.. الميزان يصحح نفسه أم أن الحداثة تتقهقر

الأحد 2016/05/08
الحداثة والقدامة وما بينهما في عمل تشكيلي معاصر

كيف نقرأ الظهور المتجدد للعمود الشعري في الممارسة الشعرية العربية الراهنة؟ هل هو تعبير عن حالة أصيلة ووجدان يستيقظ على ما أهمل من تراثه بفعل الحماسة المفرطة لأشكال شعرية جديدة جلبتها الترجمة عن الغرب وفرضتها بقوة الانقلاب، وبالتالي فإن ميزان الصراع بين قديم وجديد آخذ في تصحيح نفسه بعد خلل قسري وقع لصالح الجديد، أم إن ما نراه هو ضرب من النكوص الجمالي محمولا على عجلة نكوص فكري تشهده المجتمعات العربية، وما هذه الانتعاشة الداهمة لشعر العمود إلا تعبير عن فوضى الصراع بين قديم وجديد حتى لا نقول تعبيراً عن تقهقر مجتمعي مؤلم لفكرتي التجديد والحداثة أمام زحف أفكار الأصالة والقدامة وخيالات ماض لا يريد أن يمضي.

المقالة المنشورة هنا أوحت لنا بهذه التساؤلات، التي نضعها أيضا في رصيد من تشغله الفكرة.

المحرر

كثيرة هي الكتابات التي أعلنت موت العمود خلال العقود الثلاثة الماضية، وقد اشتدت وتيرة تلك الكتابات في اليمن عقب رحيل البردوني عام 1999.. حتى لقد بدا البردوني وكأنه أبو عبدالله الصغير آخر ملوك الأندلس. لكن اشتداد وتيرة استهداف العمود، على ذلك النحو غير المسبوق بعد وفاة البردوني، كانت متعددة الأسباب. ليس الشعور العام بكون البردوني آخر معاقل العمود الشعري في الوطن العربي كله إلا واحد منها.

من الأسباب العديدة لذلك الهجوم على العمود تبشيراً بتلاشيه وانتقاماً من اقتراف الكتابة عبره موجة الصعود القوي والجماعي لشعراء قصيدة النثر الذين كان عليهم أن يثبتوا وجود هذا الشكل على أنقاض الشكلين السابقين، العمود أولاً بوصفه أكثر أشكال الشعر رسوخا في ذاكرة المبدع العربي وذهنيته ومرجعيته عامة. كذلك بوصفه -إلى حد ما- قويّ الحضور في اليمن، البلد الذي لا تزال البنى الاجتماعية فيه تعاني تخلفاً كبيراً، ولا تزال حواضنه العلمية القديمة مثل زبيد وبيت الفقيه وحيس وذمار وحوث وكوكبان وسيئون وتريم وغيرها تضخ الحياة في عروق هذا الشكل الشعري وتعتني به عناية لا بأس بها. في الوقت الذي كان التيار الواسع المتبنّي لقصيدة النثر في مقايل العاصمة ومقاهيها ومنابرها ينظر إلى بقاء قصيدة العمود حاضرة في كتابات الشباب اليمنيين عند مشرق الألفية الجديدة على أنه عارٌ علينا أن نخجل منه حين نتحدث أو نكتب لإخواننا في المركز العربي عن المشهد الشعري في اليمن.

جاءت هيجانات الشوارع العربية مع نهاية عام 2010 لتضخ دماً جديداً في عروق العمود الذي بدا سيد الساحة سواء كان مستعاداً من قديمه أو متبازغاً من أوانه. وقد ظهر ذلك واضحاً في جميع أنحاء البلاد العربية. غير أن وضوحه في اليمن كان أكثر

سحر البردوني

تأثر معظم كتاب هذا الشكل من التسعينيين بأسلوب البردوني الذي يعدّ مدرسة خاصة ومميزة ذات مقروئية جمالية وقادرة فنياً وفكرياً على إلهام التجارب الشابة التي ظنت أن انتهاج نفس نهج وأساليب البردوني في كتابة الشعر جدير بجلب قدر من القبول عند المتلقي تأسيساً على الحضور الكاريزمي المبهر لقصائد البردوني في وجدان الناس.

وقد كان هذا الانخراط في التأثر بأسلوب البردوني واستلهام طريقته وتفريغ الأفكار والقضايا من أفكاره وقضاياه يحدث ردّات فعل غير راضية عند مراكز وقوى معينة لها ثقل كبير في المشهد الثقافي والإبداعي اليمني. ردّات فعل فيها مزيج من الحسد لتجربة البردوني بحكم طول المنافسة معها على الحضور والتأثير، وفيها منطق الشعور بخيبة الأمل أن يأتي ذلك الانخراط في العمود بعد سنوات طويلة من تحمل مراكز القوى تلك عبء النضال من أجل التجديد والانطلاق إلى آفاق جديدة، بعد رزوح تحت قيود العمود طال أكثر مما يجب، وامتثل له اليمنيون أكثر من غيرهم، وبشكل يجعلهم دائماً آخر الناس في الاستجابة للتجديد.

أما كتّاب الشكل العمودي من التسعينيين الذين كانوا بين منحاز تماماً لهذا الشكل، وهم قلة قليلة، وجامع بينه وبين التفعيلة، وهم عدد لا بأس به، أو جامع بين العمود والتفعيلة وقصيدة النثر، فقد كانوا مظلومين غالباً. إذ كان أكثرهم ينتمون إلى حواضن تقليدية أو قادمين من الأرياف. وهذا يعني أنهم كشعراء تأسست تجاربهم الأولى على العمود الرائج والمقبول هناك، وأنهم يحتاجون لفترة من الزمن في العاصمة حتى تفعل القراءات والمثاقفات والاحتكاكات فعلها فيهم وفي تجاربهم.

وأننا حتى بعد مرور الفترة الزمنية اللازمة لا بد أن نأخذ في اعتبارنا أن ذهنيّاتهم وأمزجتهم وقدراتهم على الاستجابة للجديد ستختلف بين مندفع بحماس، ومندفع بحساب، وآخذ بحظ قليل، ومتحفظ رافض. وهذا بالضبط ما حدث. وما يتراءى لنا اليوم بعد مرور ما يكفي من الوقت للتقييم.

لا أحد من مهاجمي قصيدة العمود التسعينية حاول أن يتفهم هذه الإشكالية أو أخذها في الاعتبار.

غير أن ما يجب الاعتراف به أن ذلك الهجوم الشرس قد ساهم بشكل كبير في تسريع وعي المغايرة والاختلاف والتجاوز لدى كثير من الشعراء الذين شعروا بدرجات مختلفة من الحماس بضرورة ارتياد مناطق جديدة للإبداع، شكلاً ولغة وتصوراً وفهماً.

الحضور الكاريزمي المبهر لقصائد البردوني في وجدان الناس

صعود قصيدة النثر

وحين اقتربنا من ربيع عام 2004 كان الواضح أن هجمات الناقمين على العمود وعلى التفعيلة أيضاً قد آتت أكلها. حتى لقد بدا الملتقى الأول للشعراء الشباب العرب في صنعاء تتويجاً صارخاً للاحتفاء بقصيدة النثر وانتصارها. وبدا المشهد الشعري اليمني وكأنه قد التحق بالمشاهد العربية متخفّفاً لأول مرة من عقدة البَعْدِية التي ظلت تلاحقه زمناً طويلاً.

وشهدت سنوات النصف الثاني للعشرية الأولى من الألفية احتفاءات متعددة بقصيدة النثر.. وكان انتصارها على هذا الشكل الشعري يعني عند المتحمسين لها الاحتفاء بانتصارها وتفوقها واكتساحها لمنابر النشر والمهرجانات، وأنها صارت موجودة وجوداً شرعياً. ولكن الاحتفال بها على ذلك النحو كان يتضمن في نظر المراقب المحايد مزيجاً من الأنانية والدكتاتورية، وضروباً من الإلغاء والإقصاء لا تليق بحداثة كتّابها ولا تليق بتاريخ الاضطهاد الذي عانت منه وعانى كتابها.

غير أن المشهد كان يخفي أمراً لم يكن في حسبان أحد. ففي الوقت الذي كانت فيه قصيدة النثر تختال سكراً وانتشاء بهيمنتها على الساحة الشعرية كان المشهد يحبل بالمفاجآت. فالشبكة العنكبوتية التي طالما تمدّح بها كتاب قصيدة النثر ممتنّين لتسهيلها التواصل بينهم، كان كولاج النسق المعرفي فيها، وشعبية مرتاديها الواسعة يتيح لكل الأشكل بمختلف مستوياتها جودة ورداءة الحضور وبفرص متساوية. وهذا كسر تماماً ما كانت قد حققته قصيدة النثر من تسيّد في منابر النشر، فعاليات ومهرجانات، وصحف وملاحق ومجلات، إلخ.

الأكثر أهمية من هذا هو الأثر الذي أحدثته مشاعية الشبكة العنكبوتية، حيث أن كولاج النسق المعرفي الإلكتروني الذي أتاحته سرعان ما ظهر أثره خلال سنوات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة. إذ ظهر النص الرقمي باختلاف معطياته، من خاصيات تفاعلية وتشعبية، ومزج بين الأشكال الشعرية والنثرية، ناهيك عن المؤثرات الأخرى من صوت وصورة وفيديو وألوان ورسوم، ليضعنا أمام شكل وأسلوب وتعامل مختلف وجديد تماماً مع الشعر.

النص الرقمي

اجتاح النص الرقمي المشهد الشعري بسهولة ومن دون مقاومة دينية أو تقليدية أو تحفّظ اجتماعي، من دون حتى مجرد التساؤل عن مشروعيّته من عدمها. وعندما بدأت الملتقيات تعقد له، فإن القضايا والمحاور التي كانت تطرح تبدت وكأنها محاولات لرصد معطيات وتجلّيات ومظاهر في واقع لا ينفيه ولا يعترض عليه أحد. وبدت محاولات ادعاء التبشير به وتبني ريادته والإيحاء بالنضال من أجله لا تعدو أن تكون اجتراراً أو محاولة للتماثل مع حالات سابقة تكمن في ذهنيات القائمين على تلك المحاولات وليس في الواقع ما يستوجب حدوثها.

بدا الملتقى الأول للشعراء الشباب العرب في صنعاء تتويجاً صارخاً للاحتفاء بقصيدة النثر وانتصارها. وبدا المشهد الشعري اليمني وكأنه قد التحق بالمشاهد العربية متخففاً لأول مرة من عقدة البعدية التي ظلت تلاحقه زمناً طويلا

ولكن ظهور النص الرقمي كشكل تخلّق بتأثير كولاج النسق المعرفي الإلكتروني، الذي بدا بوضوح أكثر الأنساق المعرفية من حيث سرعة التأثير عبر التاريخ، كان شيئاً مقبولاً ومعقولاً، بوصف النص الرقمي نصاً يستجيب لاشتراطات هذا الجديد، وينكتب وفق الممكنات التي وفّرها، حتى وإن بدا تجاوزه لقصيدة النثر يجمع بين التقدم إلى الأمام بمقدار ما يعود إلى الخلف مستحضراً مرجعيات وأشكالاً كتابية طالما اعتبرتها قصيدة النثر خصمها الأول، وجاهدت بالحق والباطل للقضاء عليها وعلى رأس تلك المرجعيات، والأشكال قصيدة العمود.

رضيت قصيدة النثر أو لم ترض فقد صار هناك ما يسمى النص الجديد أو النص الرقمي، أو النص التفاعلي. وهذا هو الأهم -نص ما بعد قصيدة النثر-.

غير أنه لم يدر ببال أحد بمن في ذلك كتّاب قصيدة العمود المتحمّسين لها، ناهيك عن كتّاب قصيدة النثر، أن العمود كان يعود من جديد في نفس اللحظة التي كانت تقام الاحتفاءات بقصيدة النثر والتي كان الاحتفاء يعني لها الانتصار على العمود بشكل خاص.

لاحت الوقائع الأولى في أولى سنوات النصف الثاني من العقد الأول في الألفية الجديدة، وذلك حين بدأت مجموعة من القنوات العربية في تدشين مسابقات للشعر تقدمه بوصفه صناعة مبهرة تستقطب الجماهير بشكل واسع وحماسي، وتستنفر قدرات الشعراء على الإجادة بما توفّره لهم من حوافز مادية غير مسبوقة، ومن نجومية فائقة السرعة.

وسرعان ما اكتشفت لجان التحكيم المكوّنة غالباً من شعراء ونقاد وأكاديميين ينحازون للحداثة بشكل عام أن قصيدة العمود في مثل هذه البرامج الجماهيرية هي الأطول باعاً تأتي بعدها قصيدة التفعيلة، وتنتفي أيّ إمكانية لقصيدة النثر في مجاراة القصيدتين منبرياً. وهو ما اكتشفه المئات بل الآلاف من الشعراء الشباب، الذين كان أغلبهم مهيّئاً لاختيار قصيدة النثر طريقاً مستقبلياً لإبداعه.

استقطبت تلك المسابقات أعداداً هائلة من الشعراء الشباب العرب بين سن الثامنة عشرة والثلاثين، وبدافع الشهرة والمال راحوا يبدّلون اختياراتهم، وهنا جاءت التضحية بقصيدة النثر، بل لقد ضحّى أغلبهم بقصيدة التفعيلة عائدين إلى قصيدة العمود، ومخففين بشكل مذهل إمكانيات اكتساب قصيدة النثر للامتداد والتوسع في أجيال جديدة.

وجاءت هيجانات الشوارع العربية مع نهاية عام 2010 لتضخ دماً جديداً في عروق العمود الذي بدا سيد الساحة سواء كان مستعاداً من قديمه أو متبازغاً من أوانه. وقد ظهر ذلك واضحاً في جميع أنحاء البلاد العربية.

غير أنّ وضوحه في اليمن كان أكثر. فعند المقارنة اليوم بين عدد كتاب قصيدة النثر والعمود من التسعينيين ونظرائهم في الجيل التالي، يتبين ببساطة أن عددهم في تسعينات القرن العشرين كان أقل بكثير منه في السنوات التي تلت.

ليس معنى هذا أن قصيدة النثر انهزمت، فهناك العشرات يكتبونها بإيمان وثبات بوصفها خياراً يؤمنون به. ويبدعون من خلاله، من دون رغبة في مصادرة الآخر أو فرض ما يختارون عليه. أما العمود فقد استعاد حضوره البراق بقدر لم يكن لأحد أن يتصوره.

كاتب من اليمن

14