عودة الكتاب الضال

السبت 2014/03/29

“نهج الدبّاغين” في تونس، شارع صغير ذاع صيته منذ عقود لكونه يحتضن محلات تبيع الكتب القديمة بأسعار في متناول الفقراء والطلبة. وعندما كنا طلبة في كلية الآداب، كنا نذهب، نهاية الأسبوع إلى وسط العاصمة، لنقتني بدنانير قليلة، ما تيسّر من كتب، ثمّ نجلس في مقهى يتخذ له رصيفا في منتصف الشارع الضيق، لنحملق ببلاهة في فتيات يعبرن الشّارع، ونضع الكتب فوق الطاولات لنشير للعابرات بأنّنا من الفئة المثقفة أو نتهيّأ لذلك، لكن تبين لنا لاحقا أن الرّهان كان خاسرا.

مقدمة تعريفية ضرورية لوضع القصّة في إطارها، القصة بدأت منذ سنوات التيه في العاصمة، سنوات تفصل بين التخرج و”اقتحام سوق الشغل” (قول يرد كثيرا في شريط الأنباء)، في تلك الفترة أهداني صديق رواية أودع فيها كل أسراره وحكاياته ومغامراته أثناء فترة دراسته بالجامعة، وأنتج منها رواية تافهة، إلى درجة أنني لم أكمل قراءتها إلى اليوم.

احتفظت بالكتاب لسنوات طويلة مثلما احتفظ بأشياء لا أملك سببا وجيها واحدا لوجودها عندي، وعندما تزوجتُ شرعت شريكتي في “حملة نظافة” عارمة، وراحت تتخلّص من معالم ماضيّ المشوش، فتخلصت من قمصان قديمة، وبيانات سرية لأحزاب وتيارات سياسية، وبطاقات بريدية قديمة تحمل جملا ساذجة، ومئات المجلات والجرائد القديمة.

ومنذ أشهر قليلة، فاجأني زميل يعمل معنا في جريدة “العرب” بأن سلمني كتابا وقال: هذا كتابك. قلت: ليس كتابي فلا أقرأ كتبا تحمل غلافا به جمل ونخلة. فأراني الإهداء: “إلى الصديق العزيز عبدالجليل، لصداقة دائمة وذكرى مشتركة”. وأخبرني أنه اشتراه منذ أيام من “نهج الدبّاغين” بدينار واحد.

استلمت الكتاب على مضض، وفكرتُ في احتمالين لوصوله إلى سوق الكتب القديمة، إما أن زوجتي المصون، في إطار سعيها للتخلص من ماض لم تفهمه حدّ اللحظة، ألقت بالكتاب في سلة المهملات، ومنها انتقل إلى سوق الكتب القديمة بنهج الدباغين. أو أنّني سلمت الكتاب إلى صديق، فباعه عندما بلغ به الإفلاس كل مبلغ.

المهم أن الرواية عادت إليّ بعد أن عبرت أزمنة ومسارات ثقافية واقتصادية متعرجة. والأرجح أنني لن أكمل قراءتها، وقد أترك ذلك إلى أيام تقاعدي، إن لم تهــاجر الرواية، ثانية، إلى “نهج الدباغين”.

17