عودة اللغو الطائفي

الثلاثاء 2015/05/05

يلفظ النظام أنفاسه؛ فقليل من الدعم للمعارضة، جعله يتخلى عن إدلب وجسر الشغور ومعسكر القرميد، والآن دور أريحا، لتصبح جبهة الساحل مفتوحة أمام المعارضين. ويتراجع في درعا بسرعة، وفي حلب وريف حماه أيضا.

وبالتوازي مع ذلك، ينهارُ اقتصاديا، ولا جدوى من الضرائب المتزايدة، والقرارات التي يحتال بها لجني الأموال، فالنظام ينهار برمّته!. ولم يعد هناك من يعتقد بقدرته على الحسم، والموالون يسحبون أرصدتهم من بنوكه. وتتصدع بنية النظام الداخلية الأمنية والعسكرية، وبدأت عمليات التشقق والتصفية للبعض الفاعل في إدارة الأزمة. إذن، حديث السوريين اليوم، معارضين وموالين، هو حول انهيار النظام، والمآلات المنتظرة تبعا لذلك.

يتجدد الخوف من سقوط النظام لدى الفئات المذعورة من الطائفية والتشدد الديني. هؤلاء ليسوا فقط العلويين، ولا الأقليات الدينية والعرقية، بل أيضا شرائح أخرى خصوصا من الفئات الوسطى، الدمشقية والحلبية وغيرها، التي كانت ترى في التغيير تهديدا لاستقرارها، إضافة إلى الفئات المتدينة في دمشق وحلب؛ فللمؤسسة الدينية مكانة وسلطة على المجتمع، وقد دعمها النظام ودعمته، وهي تخاف على مكانتها من فئات متشددة تنافسها على السيطرة.

هنا يعود الحديث الطائفي إلى الظهور، ومن قبل نفس الفئات التي قالت به من قبل. حيث عادت الدعوات التي تقول بفناء العلويين، والشماتة بما سيؤول إليه حالهم، وأن عليهم أن يذوقوا ما ذاقه السنة من تنكيل وإبادة. وبالطبع مردُّ هذه المقولات طائفيّ، أو أقلها متسرِّع ينطلق من أساس خاطئ في توصيف النظام والثورة معا؛ حيث يختصر النظامَ بأنه علوي وطائفي، والثورةَ بأنها سنية، وإن احتوى كلّ منهما على أشخاص من طوائف أخرى. يقابل هذا اللَّغوَ الطائفي ردٌ يتجاهل حالة الاحتقان الطائفي، ويرفض الطائفية بطوباوية وانفصال عن الواقع، ويدين من يتحدث بها، دون تفهُّمٍ لجذور المشكلة وأسبابها، وبالتالي كيفية معالجتها.

النظام ليس علويا، والثورة ليست سنية؛ رغم أن غالبية العلويين أيّدوا النظام، كما أن غالبية المناطق الثائرة، والتي نُكّل بها يقطنها سنة، لكن ليس كل السنة ثوارا أو معارضين.

بكل الأحوال المسألة لا تقاس عدديا، إلا من وجهة نظر طائفية بحتة. لقد تعمّد النظام منذ البدء استفزازَ المتظاهرين بالكلام الطائفي، ونشرَ عن قصد فيديوهات تعبر عن ذلك، وكتب على الجدران شعارات طائفية، وبالمثل فعل مع البيئات الموالية من الأقليات، حيث افتعلَ أحداثا طائفية ودعوات إلى الجهاد، ونشر إشاعات حول نيّة السنة إبادة العلويين وتهجير المسيحيين. وقد نجح في تخويف الأقليات من الثورة واستمرار رفده بالمقاتلين حتى بداية 2013، ونجح نسبيا في خلق احتقان طائفي ضمن جناح الثورة، وتصاعد مع تزايد القتل والإبادة للمناطق الثائرة. لكن الصراع حتى حينها لم يأخذ منحى طائفيا، بل ظل ثورة شعبية لها مطلب سياسي هو إسقاط النظام، لكنها لم تتمكن من خلق المعبّر السياسي عنها. هذه الثورة تواجه نظاما لم يترك حيلة لتجنيد المقاتلين، سواء باستغلال المخاوف الطائفية، أو بدفع رواتبَ للشبيحة، وإغرائهم بسرقة المناطق التي يسيطر عليها، وهؤلاء المقاتلون كانوا من كل الطوائف.

تراجع النظام في 2013، وهدّد الثوارُ باقتحام دمشق، ما جعل النظام يستنجد بمقاتلين من حزب الله ومن العراق، وأخرج من سجونه إسلاميين بمراسيم العفو، ومنهم قادة في جبهة النصرة، وأحرار الشام وغيرها، وزهران علوش قائد جيش الإسلام. هؤلاء لديهم مشاريع فئوية، هي “دولة الإسلام”، وقد تلقّوا دعما من دول إقليمية جعلتهم يسيطرون. هذا المشروع لا يهدد الأقليات فحسب بل هو مرفوض من قبل غالبية السنة كذلك.

وبالتالي أخذ الصراع شكلا طائفيا بين النظام وحلفائه المدعومين من إيران، وبين الفصائل الإسلامية.

قرّرت السعودية وضع حدٍّ لتزايد النفوذ الإيراني مع اقترب توقيع الاتفاق النووي. وبدأت عاصفة الحزم في اليمن، وبالتوازي مع ذلك دعمت مع تركيا الفصائل المقاتلة في سوريا، والتي توحّدت ودحرت النظام من معاقله. إذن هي نهاية النظام أو هو الحل السياسي، وبقرار إقليمي ودولي يَفرِض على الدول الداعمة للنظام القبول به والتخلي عن الأسد. يشعر كثيرون باقتراب لحظة الانتقام والثأر من القتلة. وهنا الدافع الطائفي هو من يقرر من هم القتلة، فيبرِّئُ بعض القتلة الحقيقيين، ويقتص من آخرين بريئين.

هناك من يقول إنّ كلّ من أيّدَ النظامَ مجرمٌ يستحقّ أقسى العقاب. وهذا منظور أخلاقي ضيّق، وذو منطق ثنائي، خير وشر. ولا يتفهّم أسباب شرائح واسعة كانت لديها مخاوف مسبقة من التغيير، وتعاملت بنفس المنطق الثنائي الذي يقول: إما النظام أو الفوضى.

بات ملحّا عودة الشعب إلى الفاعلية الثورية، وإقرار العدالة الانتقالية، لمحاسبة المتورطين بالجريمة، بدءا برأس النظام وحاشيته. ولا بد من إقرار مبادئ الثورة في المواطنة، والعدالة الاجتماعية والديمقراطية والحريات العامة واللاتبعية، وكل ذلك بعد إسقاط كل المعارضات الرديئة.

كاتبة سورية

9