عودة المراهقين للدراما المصرية مغامرة يخشاها المنتجون

محاولات برزت لإعادة المراهقين إلى الأعمال العربية مرة أخرى من بينها الاجتهادات التي قدّمها السيناريست عمرو سمير عاطف، بعد أن أنشأ شراكة ناجحة مع الفنان يوسف الشريف.
الخميس 2018/09/13
"بالحجم العائلي" تناول التفكك الأسري وأهمل مشاكل الشباب

الدراما المصرية تجاهلت فئة المراهقين وتكاد تكون أسقطتهم من حساباتها مؤخرا، متبنية ثقافة تجارية تبحث عن تحقيق أكبر قدر من المكاسب دون الدخول في أي مخاطرة لصالح تقديم عمل جيد يناسب فئات عمرية اختارت الأعمال الأميركية بديلة لإشباع رغباتها الدرامية.

القاهرة- أغفلت الدراما المصرية في عقودها الأخيرة جانبا مهما من مكوناتها الأصيلة، وهي الدراما العائلية الشاملة التي تضع قضايا الشباب نصب عينيها، وارتبط بها الجمهور منذ بداية انطلاق التلفزيون في الستينات من القرن الماضي، وبدأت مع مسلسل “القاهرة والناس” الذي لعب بطولته الفنان الراحل نور الشريف، وعالج بعض المظاهر التي تهم الشباب في ذلك الوقت.

ورغم أن السنوات التالية شهدت انطلاقة كبيرة للعديد من الأعمال التي كانت العائلة المكون الرئيسي لها، إلاّ أنها أغفلت شريحة المراهقين، في الوقت الذي كان للأطفال فيها نصيب أكبر.

ربما يكون هناك اعتقاد بأن الشباب والفتيات أكثر ميلا للسينما من الدراما، لكن الإقبال على مسلسلات أجنبية رومانسية وخيالية وحركية واجتماعية، وزيادة هذا المعدل لدى فئة المراهقين، يكذب هذا الاعتقاد، الذي يستلزم ضرورة تصحيحه، بما يتناسب مع المتطلبات الدرامية التي من المفترض أن تستوعب فئات مختلفة، وفي مقدمتها سد الحاجة الدرامية للشباب في الفترة العمرية من 18 سنة وحتى نهاية العشرينات.

مغامرة محفوفة بالمخاطر

مسلسل "كفر دلهاب"، رغم تحقيقه شعبية كبيرة بين فئة الشباب، إلا أنه بقي غير معبر عن قضاياهم الحارقة
مسلسل "كفر دلهاب"، رغم تحقيقه شعبية كبيرة بين فئة الشباب، إلا أنه بقي غير معبر عن قضاياهم الحارقة

بدأ انسحاب المراهقين تدريجيا منذ التسعينات من القرن الماضي، عندما تصدرت المسلسلات الأجنبية بالتلفزيون المصري النصيب الأعظم من المشاهدة، وكان أشهرها مسلسلات “زينة” و”هرقليز” و”الأصدقاء”، ومع الانفتاح الذي شهدته الأقمار الصناعية، ثم ثورة الإنترنت، انسحبت فئة المراهقين من الدراما المصرية والتحمت مع تلك الأجنبية التي سيطرت بالكامل.

وبرزت محاولات لإعادة المشاهدين من المراهقين إلى الأعمال العربية مرة أخرى، من بينها الاجتهادات التي قدّمها السيناريست عمرو سمير عاطف، بعد أن أنشأ شراكة ناجحة مع الفنان يوسف الشريف، وخاضا المغامرة معا بتقديم مجموعة من المسلسلات تحمل طابع الإثارة والغموض المغلف بالحركة والعنف.

بدأت مع مسلسل “رقم مجهول” وانتهت بـ”كفر دلهاب” الذي عرض في رمضان قبل الماضي، ورغم تحقيق هذه الأعمال شعبية كبيرة بين فئة المراهقين والشباب، إلاّ أنها تبقى غير معبرة عن قضاياهم الاجتماعية بالضبط.

هناك محاولات تحسب لصالح السيناريست محمد أمين راضي الذي ذاعت شهرته بعد مسلسل “نيران صديقة” الذي قدّم في 2013، ولعبت بطولته الفنانة منة شلبي وعمرو يوسف، ومعهما مجموعة من الفنانين، بخلاف عملين آخرين هما “السبع وصايا” و”العهد”، ومع أن نوعية هذه الأعمال تنتمي دراميا إلى الإثارة والغموض والألغاز التي يقبل عليها المراهقون، لكنها تبقى مجرد محاولة للتقرب من هذه الشريحة العمرية.

تنقسم أزمة تقديم أعمال تستهدف فئة المراهقين مباشرة إلى عدة جوانب، أهمها عدم رغبة المنتجين في المغامرة بتقديم أعمال قد لا تلقى قبولا عاما، وصعوبة إرضاء المراهقين أنفسهم الذين يبحثون عن كل ما هو مثير وغريب وشيق ومليء بالغموض والحركة.

ونجحت الأعمال الأميركية تحديدا في تلك المهمة، ما يضع الأعمال العربية بشكل عام في موقف صعب لمنافسة تلك النوعية من الأعمال التي تحتاج إلى ميزانية إنتاجية عملاقة. وتفسر الناقدة ماجدة خيرالله أسباب تجاهل الدراما المصرية لشريحة المراهقين في أعمالها، بالقول “لا يوجد منتجون مغامرون، ومثل هذه الأعمال تتطلب وجود مجموعة من الوجوه الجديدة لأعمار متفاوتة، في الوقت الذي تقوم فيه الشركات بالتعاقد مع نجم كبير في بداية المشروع الفني ثم تأتي بمؤلفين يكتبون عملا خصيصا له وبمواصفات معينة، معظمها يتجاهل هموم الشباب، لأن النجم الذي يعد له العمل تجاوز مرحلة الشباب، ولا يريد أن يظهر في دور الأب أو الجد”.

وتؤكد لـ”العرب”، أن غياب الحديث عن قضايا الشباب أيضا أمر يسيطر على الدراما العربية، وليس المصرية فقط، لأن مناقشة أعمال تهمهم وتلبي حاجاتهم الثقافية تتطلب جرأة، وليس من اليسير على أي كاتب المغامرة بكتابة مشروع كامل (30 حلقة أو أكثر) عن شيء ليس له مكان في الخارطة التسويقية.

وأضافت خيرالله، أن انعدام المغامرة لدى الكتُاب، يعود إلى صرامة التقيد بقوالب ثابتة، خوفا من طرح موضوعات جريئة وشائكة، بالمقارنة بالدراما الأجنبية التي تبحث عمّا هو خارج عن المألوف من أعمال تجمع بين الخط الكوميدي والرومانسي والخيال العلمي، بخلاف الوصول إلى أفكار شديدة الخصوصية تلمس أعماقهم الداخلية.

أزمة نص

ماجدة خيرالله: الأعمال العربية لا تقدم دراما شاملة تجلب المراهقبن والشباب
ماجدة خيرالله: الأعمال العربية لا تقدم دراما شاملة تجلب المراهقبن والشباب

تتفق الناقدة خيرية البشلاوي مع الرأي المتعلق بالكيانات الإنتاجية التي تصفها بكونها تبحث عن موضوعات تجارية بحتة، بما لا يخرج عن المألوف في السياق والتاريخ وشكل الأسرة المصرية وغيرها.

وتشير البشلاوي لـ”العرب” إلى أن هذه المرحلة الزمنية التي يتم فيها ضخ الكثير من رؤوس الأموال وينفق فيها على الدراما مليارات من الجنيهات المصرية، تبدو غير مفهومة لأنها تشترك في رسم صور مشوهة عن المجتمع، حتى في صميم بعض الأعمال التي تحاول الاقتراب من الحديث عن الأسرة المصرية، مثل مسلسل “بالحجم العائلي” الذي عرض مؤخرا على بعض الشاشات المصرية والعربية، بطولة يحيى الفخراني وميرفت أمين ومجموعة من الشباب والفتيات الصاعدين، حمل الكثير من ملامح التفكك والانحراف العائلي.

وبعيدا عن غياب المؤلفين المهتمين بهذه الشريحة العمرية ومعهم الكيانات الإنتاجية التي تبحث عن العائد المادي في المقدّمة، لا يوجد اهتمام من قبل الفنانين بإدراج هذه الفئة العمرية ضمن أعمالهم، وإن كانت هناك مخاوف من قبل الجهات المنتجة حيال تقديم وجوه جديدة قد لا تكون مربحة لمشروعاتها الفنية، ومن الممكن أن تهتم الدراما بوجود المراهق بجانب النجم صاحب العمل، شريطة أن يكون هناك وعيا في إدارة الحوار والأفكار التي تجمع بين الاثنين.

غامرت الفنانة نبيلة عبيد بتجربة تناول قضايا المراهقين، حينما قدّمت مسلسل “العمة نور” عام 2001 عن رحلة الأستاذة الجامعية العائدة من الخارج بعد غياب عشرين عاما لتصطدم فيها بتغيير ثقافة الشباب والمراهقين بالمجتمع المصري وتحمل على عاتقها مهمة تغييرها، وبدت التجربة كأنها تجمع بين “ناظر مدرسة وتلاميذه”، مع ذلك عكست نواة جيدة في هذا الاتجاه.

وقدّمت الفنانة سميرة أحمد مسلسل “امرأة من زمن الحب” في نهاية التسعينات، وربما كانت التجربة الأفضل على مدار العشرين عاما الماضية، التي تركت أثرا نسبيا بين فئات الشباب والمراهقين، لأنها قدّمت السيدة الصعيدية التي تأتي إلى العاصمة القاهرة للعيش مع أبناء شقيقها الأربعة الشباب، مُصطدمة بطبائعهم المختلفة وعاداتهم الغريبة عليها.

16