عودة المسرح إلى مهرجان قرطاج.. اختيار أم اضطرار؟

أبو الفنون يحضر بكثافة في قرطاج، ما يمثّل خُمس برمجة المهرجان، من جملة 24 عرضا تنوّعت بين الموسيقى والمسرح.
الاثنين 2021/06/21
المسرح يسترد خشبة مهرجان قرطاج الصيفي

رُغما عن جائحة كورونا التي أصابت القطاع الثقافي في تونس بحالة من الشلل التام على امتداد عام كامل، إلاّ في ما ندر، استطاع مهرجان قرطاج الدولي إتمام برمجته النهائية لنسخته السادسة والخمسين الملغاة، أو بعبارة أدق المؤجلة منذ العام الماضي إثر موجة الوباء الأولى المفاجئة التي أربكت القائمين على الشأن الثقافي في البلد، الأمر الذي جعلهم يلغون جل التظاهرات الثقافية والفنية. فأي جديد حمله قرطاج 2021 إلى جمهوره؟

تونس – بعد غياب قسري للدورة السادسة والخمسين من مهرجان قرطاج الدولي (الصيفي) العام الماضي إثر تفشي وباء كورونا بتونس وتأجيل المهرجان إلى الصائفة الحالية أعلنت إدارة المهرجان مؤخرا عن برنامج نسختها الجديدة التي ستلتئم في الفترة الممتدة بين الثامن من يوليو والسابع عشر من أغسطس 2021، والمتضمنة لأربعة وعشرين عرضا توزّعت بين سهرات موسيقية تونسية وأخرى عربية وبصفة أقل دولية، ليكون أبو الفنون النجم الأبرز للمهرجان هذا العام، وذلك عبر خمس مسرحيات تونسية خالصة.

إنصاف مهرجان قرطاج للمسرح بعد طول تهميش وإهمال يعدّ بمثابة العودة إلى الأسس الأولى من وراء إنشاء أعرق المهرجانات العربية والأفريقية في المنطقة، وهو الذي تأسّس عام 1964 على مبدأ الانفتاح على الثقافات العالمية وترسيخ الهوية التونسية عبر العروض الفرجوية بشتى أشكالها الموسيقية والسينمائية، وخاصة المسرحية؛ حيث دأب المهرجان في سنوات مجده الأولى على تخصيص عرض الافتتاح وأحيانا الاختتام لجديد المسرح التونسي، بل ويشارك أصلا في إنتاج هذه العروض الكبرى المخصوصة.

رمزي عزيّز: العروض جيدة، لكنها جعلت أساسا لفضاءات أصغر وأكثر حميمية
رمزي عزيّز: العروض جيدة، لكنها جعلت أساسا لفضاءات أصغر وأكثر حميمية

وفي دورة هذا العام يحضر الفن الرابع بكثافة، ما يمثّل خُمس برمجة المهرجان من جملة 24 عرضا، وهي سابقة تُحسب للمدير الفني للمهرجان عماد العليبي الذي آثر الاحتفاء بالمسرح التونسي عبر برمجته لأحدث عروضه، وهي “ياقوتة” لليلى طوبال و”كابوس أينشتاين” لأنور الشعافي و”ربع وقت” لسيرين قنون و”آخر مرة” لوفاء الطبوبي و”على هواك” لتوفيق الجبالي.

وهي عروض تبتعد كليا عمّا درجت على برمجته الهيئات السابقة التي بالغت في تقديم عروض “الوان مان شو” أو بعبارة أدق “الستاند آب” التجاري الصرف الذي يفتعل الإضحاك، ولا شيء غير الإضحاك، دون غاية أو هدف.

فهل تعدّ هذه البادرة بمثابة الصحوة للمهرجان؟ أم هي اضطرار أملته الجائحة في موجتها الثالثة، مع انحسار حضور الأسماء الغنائية اللامعة على المستويين العربي والدولي في ظل أزمة اقتصادية خانقة لم يشهدها البلد منذ الاستقلال؟

“العرب” طرحت السؤال على بعض الفنانين والصحافيين التونسيين، فثمّنوا هذا التوجّه الجديد/القديم الذي يُعلي من حضور المسرح الجاد في المهرجان العريق، دون أن يخفوا تخوّفهم من أن يكون هذا التوجّه المحمود مجرّد بادرة مرحلية أملتها الظروف الاستثنائية التي تمرّ بها تونس لا أكثر.

وعن ذلك تقول الإعلامية التونسية جيهان تركي “هذه الاختيارات توحي بأن إدارة المهرجان أرادت القطع مع العروض المسرحية الرديئة التي ملأت الدنيا، ولم تشغل الناس في العشرية الأخيرة، وأعني هنا عروض ‘الوان مان شو’ الخالية في مجملها من المحتوى”.

وأردفت “أرجو فقط أن يكون هذا الخيار عن قناعة، وأن يتواصل في المستقبل وألاّ يكون ناتجا عن ضغط الجائحة وتعذّر الحضور على البعض، فكان الاستنجاد بالمسرح لسدّ الفراغات ليس إلاّ”.

وتستغرب تركي عدم برمجة مسرحية “مارتير” للفاضل الجعايبي، وتقول “يظل الأمر مثيرا للاستغراب، خاصة إذا علمنا مدى رغبة إدارة المهرجان في إدراجها ضمن البرمجة، في حين أن المسرح الوطني هو الذي رفض ذلك”.

استغراب الإعلامية التونسية يبدو في ظاهره لا يزيد عن الاستنكار إلاّ أنه في باطنه يستدعي الكثير من النظر والتحقيق، وهو ما يُجيب عنه ضمنيا الممثل المسرحي التونسي رمزي عزيّز بقوله “طبعا نحن نبارك عودة العروض المسرحية إلى برمجة مهرجان قرطاج الدولي، ولكن السؤال المطروح كيف تم اختيار هذه العروض؟”.

ويوضّح “هناك عروض جيدة، لكن لا يمكن أن تُعرض في المسرح الأثري، فهي ستفقد الكثير من قيمتها؛ هي عروض جُعلت أساسا لفضاءات أصغر وأكثر حميمية، وهنا كان لزاما على إدارة المهرجان تخصيص خشبة أخرى تتوافق مع هذا الشرط، كما فعل الفنان رؤوف بن عمر عندما تولى مقاليد إدارة المهرجان عام 2005، إذ قام بإنشاء خشبة موازية للغرض في قصر النجمة الزهراء”.

جيهان تركي: أرجو أن يكون خيار المسرح عن قناعة، ويتواصل في المستقبل
جيهان تركي: أرجو أن يكون خيار المسرح عن قناعة، ويتواصل في المستقبل

ويسترسل “أما في ما يخصّ العروض فهناك من يختارها لقيمة أصحابها حتى لو لم يجهز العمل بشكل تام كما هو الحال بالنسبة إلى مسرحية الفنان توفيق الجبالي، وعروض أخرى يراهن عليها المهرجان لجدية الهياكل المنتجة. وهناك عروض ثالثة يتم اختيارها من قبل لجنة تُبعث للغرض، ويتم اختيار هذه العروض بعد صدور بلاغ”.

وهو يرى أن القائمين على هذه الدورة لم يعتمدوا كثيرا على الآلية الثالثة، أي اختيار العروض بعد صدور بلاغ، فتم تجاهل بعض الأعمال المميّزة، كما لاحظ غيابا شبه كلي لأعمال الجهات، خاصة إنتاجات مراكز الفنون الدرامية والركحية.

في المقابل يؤكّد الحروفي والموسيقي التونسي ياسر جرادي في تدوينة له على فيسبوك أن “المهرجان تمكن هذا العام من القطع مع كل ما هو رديء سواء على المستوى المسرحي أو على مستوى العروض الموسيقية، وذلك بفضل رؤية شابة وطموحة أرساها الفنان الموسيقي عماد العليبي الذي راكم التجارب كمستشار فني في العديد من المهرجانات العالمية، الأمر الذي جعله عرضة لهجمة شرسة من قبل لوبيات متعهّدي الحفلات”.

وفي قراءة سريعة للبرمجة الموسيقية لقرطاج هذا العام يتّضح ما ذهب إليه جرادي، فالسهرات الموسيقية التسع عشرة للمهرجان بدأت بالسيمفونيات الكلاسيكية على غرار عرض الافتتاح الذي سيأتي تكريما لروح الموسيقار الإيطالي إنيو موريكوني صاحب المقاطع الموسيقية الشهيرة التي تميّزت بها أفلام المخرج سيرجيو ليوني، إضافة إلى عرضي كونشرتو مالقا وأوركسترا أوربون ستريت، مرورا بالعروض الآلاتية كعرض الثلاثي جبران والفرقة التركية تقسيم تريو، وعرض الموسيقار الأثيوبي مولاتو أستاتك وعازف الساكسفون التونسي ياسين بولعراس، وعرض “حوار الأوتار” للتونسي كمال الفرجاني، وصولا إلى العروض الجماهيرية الكبرى كعرض الفنان الشعبي التونسي الهادي حبوبة و”بحر الصوفية” لنبيهة كراولي وكذلك عرض حسان الدوس.

كما تحضر عروض أخرى تجمع بين الموسيقى الملتزمة ونظيرتها البديلة كعرض الفنانة الجزائرية سعاد ماسي وفرقة أوم، وعرض الفنانة الفلسطينية دلال أبوآمنة وعرض الاختتام الذي سيحييه الفنان التونسي ظافر يوسف.

وجميعها، تقريبا، عروض موسيقية تقطع مع السائد في احتفاء جمالي بالفنون الفرجوية الدسمة شكلا ومضمونا، ما يبشّر باستعادة المهرجان لهيبته المسلوبة منذ أكثر من ثلاثة عقود، فهل تكون دورة 2021 بداية الصحوة أم هي الاستثناء الذي فرضه الكوفيد، ليعود قرطاج في قادم الدورات إلى سالف عاداته القديمة؟

Thumbnail
17