"عودة النبي" صلوات تتصاعد من وادي قاديشا

السبت 2014/05/24
كتاب يتحدث عن العدالة والحب والطفولة

من قال إنّ الصّلاة تكون في الهياكل؟ من قال إنّ التّراتيل تُسمَع في دور العبادة؟ من قال إنّ الأديب ليس رسول محبّة؟ “عودة النّبي” للكاتب والإعلامي إيلي صليبي هو كتاب من هذا المعيار، الذي لا تشبه لغته إلّا اللغة المعطّرة بشموس الأرز، المتهادية على أجنحة الغمام، هي أقرب ما تكون إلى صلوات تتصاعد من وادي “قاديشا”.

أعاد إيلي صليبي نبيّ جبران إلى “أورفليس" بعد تواريه ألف عام للقاء أخير قبل أن يستريح في صومعته. يقع الكتاب في عشرة فصول. حيث يقدّس الكاتب الطّبيعة، الأمّ، الأرض الّتي نهشها جشع الإنسان، يتحدّث عن الحياة والموت والطّفولة والعدالة والحبّ: “والحبّ غربة الرّوح إلى الرّوح، وعناق أبديّ بين روحين هائمتين في هيام سرمدي، وسفر الواحد في الآخر أزليّ التّوغل حتّى التّوحد في حضرة الله”. يبدو هذا الكتاب دستورا للأمّة بعد ضياعها في مدنيّة زائفة، وهو محاولة لإيقاظ ما تبقّى في الإنسان من إنسانيّة وضمير، ودعوة خالصة إلى التّطهّر من طمع أعمى القلوب، وزيف غشي البصائر. تتحقّق الطّهارة في “عودة النّبي” بالمحبّة الخالصة الصّافية المترفعّة من الشّهوات والمصالح، المتّجهة في علاقة عموديّة بين الإنسان وربّه، مهما اختلفت طريقة تعبّده، أو تصوّره للخالق.

في كّل فصل من فصول الكتاب محاولات لإعادة الإنسان إلى جوهره الأصلي، إذ يعيد الكاتب توجيه البوصلة نحو الجانب الرّوحي. أمّا بالنّسبة إلى الثّورة، فهي تتطلّب استعدادا روحيّا، وتحرّرا داخليّا “نقّوا أرواحكم، واغسلوها قبل أجسادكم، فرائحة الرّوح النتنة أشدّ تنفيرا من رائحة جسد لم يتطهّر بالماء”.

وما لم يقم الإنسان بثورة من الدّاخل فإنّه سيبقى سجين الكهوف، ولو سكن ناطحات السّحاب: “كونوا ثورة لا طغيان فيها على الطغاة، ولا تشفّي فيها من مرضى النفوس، ولا تحكّم فيها ولا استعباد للانتقام ممن تحكّم بكم واستعبدكم، ولا استبداد بمستبد. ازرعوا الثورة وردة في وعر شوك يحصّنها، ولا تغرسوها شوكة في خاصرة وردة”.

وللمكان حضور طاغ في نصّ الأستاذ صليبي، ولا سيّما الأمكنة الطّبيعيّة المفتوحة على اللامحدود، من شاطئ البحر، إلى الحدائق، إلى وادي النّسّاك. كسّر نبي أورفليس الزّمن، وأعاد تشكيله بما يتناسب وثورته على الحياة الماديّة، يعود بالزّمن ألف عام إلى الوراء ويتقدّم ألف عام. لقد طوّع الكاتب الزّمن، قهره مانحا العالم فرصة للتّطهّر.

أراد الكاتب أن يكون هذا النّتاج ثورة بمعايير مختلفة، ثورة تمجّد العمل، ترفض الادّعاء، تعيد الكرامة للإنسان في زمن فقَد فيه إنسانيّته، وأن يكون صرخة في وجه مختلف ألوان الفساد، والقهر والاستعباد، ومحاولة انتزاع للوجوه الزّائفة، وإيمان بأنّ لا شيء غير المحبّة قادر على إعادة بناء العالم الإنساني.

16