عودة النظام العربي.. الحل لتصويب الحرب على الإرهاب

الأحد 2016/12/04

عملت جميع المشاريع التي اخترقت الجسد العربي مؤخرا على إحباط الحضور العربي واستنزاف نفوذه وإنهاك قواه، ولو لم يبادر العرب إلى بلورة تصوّر عملي فاعل لمواجهة التحديات، فلن يكون لهم ثقل استراتيجي في المستقبل، وسوف يتم تقسيم تركتهم على تلك المشاريع، وفق تسويات تحفظ أمن واستقرار اللاعبين الدوليين والإقليميين.

وليس هناك من مَخرج، إلا بالمبادرة والتحرك المنظم لإعادة بوصلة المنطقة إلى اتجاهها الصحيح، على مستوى الهوية والدولة الوطنية، وملء الفراغ والإمساك بزمام القرار والمصير، حيث لا يمكن أن يتم احترام المصالح العربية ومراعاة مستقبل الدول العربية وأمنها القومي، في غيبة العرب أنفسهم.

والآن، صار المطلب الأساس، بعد سنوات من الفوضى والتخبط، هو فرض السلام والأمن، في ظل حكومات مدنية ترعى التنوع وتحميه وتستطيع إدارة خلافاته وصراعاته، بحيث لا تنفجر إلى حد الاقتتال.

في السنوات القليلة الماضية، أضعف إرهاب التنظيمات السُنيّة المتطرفة، مواقف الدول العربية السنية أمام إيران، وصارت هذه الدول في حالة عجز مضاعف أمام تغوّل طهران من جهة، وممارسات الميليشيات السنية المتعددة من جهة أخرى.

من أوضح ملامح المواجهة ضد التنظيمات الإرهابية، طوال السنوات الماضية، تغييب الدور التقليدي للدول العربية ومؤسساتها، لحساب القوى الدولية والإقليمية. وأعطى تباين مصالح وأولويات تلك القوى، فرصا ثمينة للتنظيمات الإرهابية، لكي تتمدد وتجنّد المزيد من المقاتلين، وتسيطر على المزيد من الأراضي.

في السابق، كانت الطريقة التقليدية في محاربة الإرهاب، ترك الدور الأكبر للدول العربية وأجهزتها الأمنية، أما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 في نيويورك، وانخراط الولايات المتحدة وأجهزة مخابراتها في العمق العربي، انتقل هذا الدور لأميركا، التي أصبحت تتحكّم وتختار من الذي يتولى صدارة المشروع.

واشنطن باتت هي من يحدد مَن المتطرف ومن المعتدل، وظنت أن دمج إيران وجماعة الإخوان، وسحب البساط من النظم العربية، سيثمر النتيجة المرجوّة، واعتقدت أن الخبرة التي اكتسبتها في غوانتانامو وأفغانستان والعراق، ستغنيها عن التنسيق مع الأنظمة العربية.

وهكذا، تم فتح المجال لقوى غير تقليدية، وهي القوى الإقليمية غير العربية، وتحديدا تركيا وإيران، بأساليب ومناهج غير اعتيادية، اعتقادا بأن تصعيد جماعة الإخوان للسلطة وتعميم النموذج التركي، سوف يؤديان إلى تحجيم ظاهرة التطرف.

غير أن إسهام إيران في نقل معركة الإرهاب إلى داخل البلاد العربية السنية، قاد إلى تعقيد وتفاقم الأزمات، من خلال زرع بذور نزاعات دائمة، واستغلت طهران المهمة لتغيير جغرافيا وديموغرافيا الدول العربية لحساب نفوذها ومصالحها.

وتحت عنوان “الحركات الإسلامية المعتدلة”، أخفقت الولايات المتحدة في خلق كيانات قادرة على تحمل المسؤولية، كبدائل للنظم العربية الحاكمة؛ تحظى بدعم شعبي، وذهبت الإمدادات الخاصة بها وإنجازاتها الضئيلة على الأرض تلقائيا لتصب في مصلحة الجماعات المسلحة الأشد تطرفا.

وقد أسهمت، تلك التي تسمّى الحركات المعتدلة، بتحالفاتها وأدائها، في إيجاد اقتتال طائفي وأهلي، ضاعت بسببه فرص تجميع تلك الفئات على مصالح وأهداف مشتركة، ولم تتوفر قواسم بينها، باستثناء الرغبة في إسقاط النظام.

وظنّت الدوائر الغربية في البداية، أنها عثرت على حلفاء أقوياء ذوي خبرة، لكن تبين من الممارسة أن هذه التنظيمات تختار الصدام المسلح عادة للتخلص من الفئات الأخرى ولفرض الرؤى الأحادية، وأثبتت الممارسة عجزها عن ضبط الإيقاع بين الفئات الدينية والعرقية، ومراعاة التنوع، واحتواء الأقليات، والتعامل بانفتاح مع الأغلبية.

افتقد التدخل الأميركي للرؤية الواضحة والمنطق، وحتى مع تسليح المعارضين بأسلحة نوعية، وإمدادهم بصواريخ مضادة للطائرات، فإن سيناريو الحرب الليبية سيتكرر، وقد تطلب إسقاط حكم معمر القذافي سبعة أشهر من المواجهات الدامية التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين، وفي النهاية تفكك الجيش، وحدث الفراغ الذي احتلته الميليشيات المسلحة المتصارعة.

تنظيم داعش بدأ ينهار عسكريا ويفقد مراكز نفوذه على الأرض، بعد أن أجمعت الأطراف الدولية والإقليمية على أولوية التخلص منه بالرغم من تناقض مصالحها، وتتنافس تلك الأطراف على تحصيل المكاسب المترتبة على هزيمته، لكن تظل الخطورة القائمة، أن دوافع ظهور التنظيم مازالت مستمرة، وهي المظاهر المتمثلة في غياب الهوية الوطنية، وملامح الدولة القائمة على التعددية، وحضور البعد الطائفي.

فقدان التنظيم سيطرته على الأرض يدفعه إلى طور أكثر خطورة وإلى مراجعة مواقفه وترتيب أوراقه، خاصة فيما يتعلق بعلاقاته مع مختلف التنظيمات المسلّحة الأخرى، وبينما أدت صراعاته معها لانكشافه في السابق، فمن المتوقع أن يعمل على الاندماج مع مختلف المكوّنات الجهادية على الساحة، لتنتج عن هذا التلاقح مجموعات جديدة بعناوين مختلفة، أكثر قوة وقدرة على تنفيذ عمليات نوعية، سواء في الداخل العربي، أو في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.

في مواجهة ذلك، تتأسس الرؤية الجديدة لمكافحة الإرهاب، على تثبيت جيش الدولة كرقم أول، ومن ثم تركيز العمليات والجهد على التنظيمات المسلحة وصدّ أيّ هجوم على الجيش، وضمان وحدة أراضي الدولة، والتوصل إلى هيكل سياسي ذي شرعية، والعمل على رعاية حوار بين الأنظمة والمعارضة غير الملوّثة بالعنف وغير المسلحة، ومباشرة إصلاح سياسي على أسس التنوع والتعددية بين الأطراف الوطنية.

انحسار النظام العربي كان هو السبب والنتيجة في الوقت نفسه، لسقوط الجبهة الشرقية العربية وبداية الحضور الإقليمي وتنافس تركيا وإيران على النفوذ، وما تطلّبه ذلك من اختراقات للجسد العربي بأعتى الميليشيات الإرهابية والطائفية.

لكن بالرغم من حالة الوهن التي يمر بها النظام العربي، فإن الحاجة لاستعادة هيبة ومكانة الدولة، وإعادة التماسك للجيوش، تمثل حلا إنقاذيا له، وبقدر استجابته للتحديات سوف ينجح في استعادة حضوره، ومن شأن تصديه المنجز للتنظيمات الإرهابية أن يغطي على عناصر ضعفه، وأن يراكم قوته شيئا فشيئا.

لقد بات واضحا الآن للعديد من الدول العربية، أنّ تدخّل الأطراف الإقليمية والدولية، بغرض التأثير على توازنات المنطقة وإعادة هيكلتها، أدّى إلى نشوب الحروب الداخلية لإنهاك الدول العربية على كافة المستويات، ولو ظل الحال العربي على ما هو عليه، فستظل القوى الخارجية تفرض نفسها، ويتواصل النزيف البشري والمادي واستقطاع الأرض والحدود والنفوذ، على حساب المصالح العربية والأمن القومي العربي.

كاتب من مصر

6