عودة النفط الليبي للتدفق بآلية جديدة لحماية عائداته من عبث حكومة الوفاق

محللون: عودة إنتاج النفط في ليبيا تعتبر خطوة في الطريق الصحيح نحو حماية عائدات البلاد النفطية وقطع الطريق أمام الأطماع التركية.
السبت 2020/07/11
الأوضاع تحت السيطرة

اعتبر محللون أن عودة النفط الليبي للتدفق إلى الأسواق الدولية وفق آلية جديدة بعد ستة أشهر من إغلاق الحقول والموانئ ستحمي عائدات البلاد من عبث حكومة الوفاق الوطني وستقطع الطريق أمام مخططات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للسيطرة على مكامن النفط.

تونس - أكد مسؤولون ليبيون وأجانب وخبراء اقتصاد أن عودة إنتاج النفط في ليبيا تعتبر خطوة في الطريق الصحيح ستعمل على الخروج من الشلل، الذي ضرب القطاع وأدى إلى تراجع عائدات البلاد بشكل كبير.

وأعلنت المؤسسة الوطنية الليبية للنفط التي تتخذ من طرابلس مقرا لها، الجمعة رفع القوة القاهرة عن كل صادرات النفط من ليبيا، على أن تكون الناقلة كريتي باستيون أول سفينة تقوم بالتحميل من ميناء السدرة النفطي شرق البلاد.

وأشارت المؤسسة إلى أن زيادة الإنتاج التدريجية ستستغرق وقتا طويلا نتيجة الأضرار الكبيرة، التي لحقت بالبنية التحتية بسبب الإغلاق المفروض منذ منتصف يناير الماضي.

ويرى محللون أن هذا الإعلان سيقطع الطريق أمام الأطماع التركية في النفط الليبي والذي كان بمباركة من حكومة الوفاق الوطني التي تتخذ من طرابلس مقرا لها.

ووفق بيانات متطابقة لمؤسسة النفط ومنظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) بلغ إنتاج ليبيا أقل من 90 ألف برميل يوميا بعد غلق الحقول والموانئ، مقارنة مع 1.22 مليون برميل يوميا.

وكانت ليبيا تنتج حوالي 1.2 مليون برميل يوميا، قبل غلق الحقول والموانئ، وهي معفاة من اتفاق تحالف أوبك+ لخفض الإنتاج.

ويوجد أكثر من 90 في المئة من الحقول والموانئ النفطية في مناطق خاضعة لسيطرة الجيش الوطني الليبي، والقبائل الموالية له، التي سبق وأن نددت بما قالت أنه عبث من قبل حكومة الوفاق بمقدرات الثروة النفطية.

وقال رئيس مجلس إدارة المؤسسة مصطفى صنع الله في بيان “نحن سعداء للغاية لأننا قد تمكننا في النهاية من اتخاذ هذه الخطوة الهامة نحو تحقيق الانتعاش الوطني”.

حكومة الوفاق لن تتحكم في عوائد النفط من هنا فصاعدا ودون أن تذهب الأموال مباشرة إلى البنك المركزي بطرابلس

وأضاف “أود أن أشكر جميع الأطراف التي شاركت في المناقشات الأخيرة للمساعدة في تحقيق هذه النتيجة الناجحة. يجب الاعتراف بأن هذه لحظة مهمة ذات هدف وطني مشترك من أجل البناء عليها لتحقيق السلام والاستقرار الدائمين للبلاد”.

وأوضح أنه بالنسبة إلى المؤسسة الوطنية للنفط، فإنّ العمل قد بدأ للتوّ. وقال “لقد تعرضت بنيتنا التحتية لأضرار دائمة، ويجب أن يكون تركيزنا الآن على الصيانة وتأمين ميزانية للقيام بهذه الأعمال ويجب علينا أيضا أن نتخذ خطوات للتأكد من أن إنتاج ليبيا من النفط لن يكون عرضة للمساومة مرة أخرى”.

وبالإضافة إلى الخسائر التي تكبدتها البلاد نتيجة تراجع إنتاج النفط والتي قُدرت قيمتها بحوالي 6.5 مليار دولار، تواجه المؤسسة الوطنية للنفط تكاليف إضافية باهظة لإصلاح الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية.

ويتوقع أن تصل قيمة تكاليف إصلاح شبكة خطوط الأنابيب والمعدات السطحية وصيانة الآبار إلى مليارات الدولارات.

وسارعت السفارة الأميركية في ليبيا إلى الترحيب برفع القوة القاهرة واستئناف المؤسسة الوطنية للنفط عملها الحيوي.

وأشارت إلى ضرورة ضمان تعاون المؤسسة مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لضمان عدم اختلاس الإيرادات والحفاظ عليها لصالح الشعب الليبي.

وأكدت السفارة أنها ستواصل دعم الشفافية المالية في ليبيا، من خلال الحوار الذي تقوده الأمم المتحدة، لضمان وصول الليبيين إلى تفاهم بشأن التوزيع العادل لإيرادات النفط والغاز.

وقالت مصادر مطلعة لـ”العرب” إن الجانب الأميركي قام بدور كبير لإقناع الأطراف المتصارعة بتحييد النفط من المواجهات العسكرية والسياسية، والعودة إلى الإنتاج والتصدير وجمع الإيرادات وفق آليات مختلفة عن سابقاتها.

وأبرز الخبير الاقتصادي الليبي سليمان الشحومي أن النفط الخام الليبي عاد إلى التصدير من ميناء السدرة، ولكن بترتيبات جديدة ودون أن تتحكم حكومة الوفاق في العوائد ودون أن تذهب مباشرة إلى البنك المركزي بطرابلس.

وأوضح الشحومي أن هذا الحل لإعادة تصدير النفط قد ينزع فتيل الحرب المدمرة المرتقبة، ويفتح صفحة جديدة للحوار الليبي الليبي.

وأشار إلى أن الحوار هذه المرة لل بدّ أن يكون حوار نخب وممثلين للمجتمع الليبي بكافة تركيباته ودون وجود أو تدخل من الأطراف السياسية الموجودة على الساحة، و”قد نرى الضوء قريبا”.

سليمان الشحومي: النفط عاد للتصدير من ميناء السدرة ولكن بترتيبات جديدة
سليمان الشحومي: النفط عاد للتصدير من ميناء السدرة ولكن بترتيبات جديدة

والأسبوع الماضي، قالت جيرالدين جريفيث المتحدثة الإقليمية باسم وزارة الخارجية الأميركية، إنه من الضرورة إنهاء عملية إقفال النفط، لكونها خطوة حيوية لمنع المزيد من الصراع والانتهاك للسيادة الليبية.

ودعت إلى ضرورة السماح لمؤسسة النفط الوطنية بالعودة إلى العمل، كي لا تتسنى لأي دولة أجنبية فرصة استخدام الإغلاق كذريعة لشن عمل عسكري من أجل “إنقاذ” الهلال النفطي.

وساهمت دول عدة في حلحلة ملف النفط عبر إقناع القيادة العامة للجيش والقبائل بفتح الحقول والمنشآت بهدف قطع الطريق أمام التدخل الخارجي، وسحب أي مبرر قد يعتمده الجانب التركي وحكومة فايز السراج في الدفع إلى حرب على منطقة الهلال النفطي وحقول الواحات والجنوب.

كما دفعت واشنطن نحو حل يرضي مختلف الأطراف عبر تشديد الرقابة على واردات النفط، التي تواجه حكومة الوفاق اتهامات بتبديدها في تمويل الميليشيات الخارجة عن القانون وجماعات المرتزقة والإرهابيين، وكذلك من خلال ظاهرة الفساد التي تضرب مؤسسات الدولة في طرابلس

وردا على جلب المرتزقة السوريين من قبل نظام أردوغان إلى ليبيا، أشار السنوسي الحليق، رئيس قطاع النفط والغاز بالمجلس الأعلى لمشايخ وأعيان ليبيا، الذي تبنى غلق الحقول والموانئ النفطية في يناير الماضي، إلى أن هناك نية لفتح حساب مصرفي جديد لعائدات النفط.

وقال الحليق إن “القبائل تعارض إيداع جميع الأموال العائدة من تصدير النفط في مصرف ليبيا المركزي”، معتبرا أن هذه المسألة كانت أحد الأسباب الرئيسية لوقف تشغيل حقول النفط.

وتابع “قمنا بدعوة المجتمع الدولي إلى فتح حساب مصرفي جديد، تودع به جميع عائدات النفط الليبي، بحيث تكون جميع عائدات بيع النفط في هذا الحساب ثم يتم توزيعها بالتساوي على مناطق ليبيا الثلاث”.

والأربعاء الماضي، شدد وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، على أهمية إحراز تقدم في إنشاء آلية ذات مصداقية لرصد عائدات النفط الليبي.

وقال لودريان في كلمة خلال جلسة عقدها مجلس الأمن الدولي عبر دائرة تلفزيونية إنه “من المهم إحراز تقدم في إنشاء آلية ذات مصداقية لرصد عائدات النفط الليبي، لضمان أنها تفيد الشعب الليبي ولا يتم تحويلها إلى الميليشيات”.

ورحبت سفارة فرنسا في ليبيا بإعلان المؤسسة الوطنية للنفط رفع القوة القاهرة واستئناف عملها لصالح كل الليبيين، “مع ضمان التعاون مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في إدارة إيرادات النفط بشفافية وعدم تحويلها”.

وهنأت السفارة جميع الأطراف الليبية التي سهلت هذا التقدم، مشيرة إلى “رفضها عسكرة المنشآت النفطية”، كما أكدت على “أهمية الحفاظ على حياد الشركة واحتكارها وسلامة جميع أفرادها”.

وفي موقف لافت، قال وزير الداخلية المفوض في حكومة الوفاق فتحي باشاغا، إن “النفط ملك لكل الليبيين ويجب أن تدار عائداته بشفافية وتوزع بعدالة على مختلف المناطق، وإلا سيكون مصدرا لابتزازات فئوية أو مناكفات سياسية”.

وغرد باشاغا عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي تويتر الجمعة قائلا “نرحب بإعلان المؤسسة الوطنية رفع القوة القاهرة عن جميع صادرات النفط ونشكر جميع الأطراف التي ساهمت في تحقيق ذلك”.

وقال المتحدث الرسمي باسم الجيش أحمد المسماري إن أحلام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في السيطرة على النفط الليبي لن تتحقق بقوة الشعب الليبي ورفضه للاستعمار التركي الغاشم.

وطالب بأن تمتد الخطوط المصرية الحمراء إلى طرابلس وما بعد طرابلس، مؤكدا أن تركيا تحشد كل إمكاناتها القتالية للتقدم نحو الهلال النفطي وتهدد الأمن العربي.

غير أن مراقبين يرون أن عودة النفط إلى التدفق سيقطع الطريق أمام مخططات أردوغان وحلفائه في غرب ليبيا للهجوم على مدينتي سرت والجفرة، للسيطرة على ما ورائهما من حقول النفط.

11