عودة الوزير الفنان

الأربعاء 2017/01/18

عاد وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني مؤخرا، ليس إلى منصبه القديم، ولكن إلى صفحات الصحف. فاروق حسني الذي جثم على صدر الثقافة المصرية لمدة ثلاثة وعشرين عاما، كان شعاره “إدخال المثقفين إلى الحظيرة”، أي أنه اعتبرهم مجموعة من الحيوانات الشرسة التي تحتاج إلى الاستئناس والترويض، وكان هذا هو الهدف السياسي الكبير الذي نجح فيه.

لم يكن فاروق حسني يجد حرجا في الدفاع باستماتة عن “فلسفة الحظيرة”، فقد صرح قبل أكثر من عشر سنوات عندما كان في قمة “مجده” قائلا “نعم قمت بإدخال المثقفين في حظيرة وزارة الثقافة، ومالها حظيرة الوزارة؟ عيبها إيه هذه الحظيرة السخية معهم؟ أليست هي التي تدفع لهم الأموال وتفتح بيوتهم؟ أليست هي التي تعطيهم النقود التي يشترون بها أقلاما يستخدمونها في الهجوم علينا؟ كيف كانوا سيحصلون على ثمن الورق الذي يملؤونه بالنقد الهدام للوزير وكل الأنشطة التي لم يسبق أن قام بها أحد، فالحظيرة هي التي يأكلون منها؟”.

ويضيف “قل لي أنت: من يدفع نفقات التفرغ؟ الحظيرة، ومن يتحمل تكاليف سفرهم ومؤتمراتهم ومعارضهم ونشر كتبهم وشراء مسرحياتهم وموسيقاهم واستعراضاتهم؟ من؟ الحظيرة. ولو قمنا بإغلاق هذه الحظيرة، لكانوا أول من يطالبون بإعادة فتحها، لأن فتحها يعني فتح بيوتهم، والعكس معناه أن يعودوا لأيام زمان، ولا أريد أن أذكرهم بأيام زمان، وأنا أعرف أكثر مما يتصورون عن أيام زمان قبل هذه الحظيرة”!.

فاروق حسني عاد أخيرا للإدلاء بالمقابلات الصحافية، أحدثها ما نشرته جريدة “المصري اليوم” على حلقتين، حيث أخذ يصول ويجول مشككا في انتفاضة يناير 2011، مطالبا بإلغاء مجانية التعليم باعتبارها سبب التراجع الاجتماعي، متهما الشعب بأنه “لا يعمل” “ولا يساعد أي نظام على التقدم”، مناديا بأن تتولى “الدولة” -على الطريقة الفاشية- إعداد “قادة المستقبل”، “حيث أنه، لو كانت مصر في حاجة إلى ألفي شخص لإدارة الدولة، يجب أن نأتي بأطفال أعمارهم 5 سنوات، ونقوم بتربيتهم لمدة 25 عاما، حتى يكونوا قادة بعد ذلك”!.

فاروق حسني ضاع في عهده التراث السينمائي المصري (حوالي 4 آلاف فيلم طويل)، وذهب “النيغاتيف” الأصلي الخاص بالكم الأكبر من هذه الأفلام إلى شركات خاصة وقنوات تلفزيونية مملوكة لمستثمرين من الأجانب، وتم إخراج معظمها خارج البلاد، وهي ثروة تقدر بالمليارات من الدولارات، بعد أن رفضت وزارة الثقافة في عهده القيام بأي مبادرة لشراء أصول هذه الأفلام أو ترميم ما هو عرضة للفساد منها.

وقد فاقت كمية الآثار التي نهبت وسرقت وتم تهريبها خارج مصر في عهد فاروق حسني ما سرق وهُرب في تاريخ مصر الحديث كله، وقد ذكر محمد حسنين هيكل أنه رأى بنفسه نسخة من أحد المصاحف الأصلية الأولى النادرة التي يبلغ عمرها المئات من السنين بعد أن هربت خارج مصر وكانت في الأصل بالمتحف الإسلامي، لكي تباع في أحد بيوت المزادات في العاصمة البريطانية.

أسند فاروق حسني مهام رفيعة إلى مساعدين له، ثبت أنهم ضالعون في الفساد واستغلال النفوذ، وقد قبض على ثلاثة من كبار مساعديه وصدرت ضدهم أحكام بالسجن لعشر سنوات.

فاروق حسني يتحمل مسؤولية إفساد المئات من المثقفين والصحافيين الذين حولهم إلى جوقة تدق له الطبول وتحرق البخور هنا وهناك، وفاروق حسني هو الذي يتحمل المسؤولية المباشرة عن تمييع الثقافة المصرية وتحويلها إلى ظاهرة احتفالية تنفق العشرات من الملايين على حفلاتها ومهرجاناتها الشكلية التي لا يستفيد منها سوى حفنة من كبار الموظفين العاملين في وزارة الثقافة حتى يومنا هذا.

ومع ذلك، جاء فاروق حسني اليوم لكي ينتقد ما يطلق عليه “عدم اهتمام الدولة بالثقافة”، كما لو كانت الثقافة هي إنشاء متحف كبير للآثار بغرض استثماري سياحي، هدفه الأساسي الأجانب، وهو الدور الذي يفخر به ويتباهى الوزير الفنان الأسبق! والمصيبة أن يكون هناك الكثيرون الذين يصدقونه ويترحمون على أيامه!

ناقد سينمائي من مصر

16