عودة اليوتوبيا

الخميس 2016/09/22

ما انفكّ الإنسان منذ غابر الأزمنة يسعى إلى حياة يكون فيها أيسر حالا وأكثر نوالا، ويتوق إلى عالم أفضل يتوافر فيه الرخاء والسعادة والعدل، ثم صار يحلم بعالم مثالي، طوباوي، يعلم أنه عسير المنال. هذا الحلم راوده منذ القدم، وشغل حتى الكتاب والمفكرين، فأعملوا فيه رأيهم، من أفلاطون وجمهوريته وزينوفون وتربية قورش إلى لوقيانوس السميساطي السوري ورحلاته العجيبة، ولم تخل أعمالهم من وصف مفصل لمجتمعات مثالية.

غير أنّ المصطلح لم يظهر إلا مع الإنكليزي توماس مور، عندما نشر عام 1516 قصة عجيبة بعنوان “يوتوبيا” يروي فيها مغامرة متخيلة إلى جزيرة معزولة عن العالم، يعيش أهلها حياة ملؤها العدل والحكمة والسعادة، وبالرغم من أن المصطلح الذي ابتكره يعني في اللغة اليونانية “لا مكان”، أي مكانا لا وجود له، فقد تلقفه الكثير بعده أمثال فرنسيس بيكون في “الأطلنتيد الجديدة”، وتوماس وكمبانيلاّ في “مدينة الشمس”، وفينيلون في “مغامرات تليماك”، وماريفو في “جزيرة العبيد”، وفولتير في “كانديد أو التفاؤل”، ليتمثلوا العالم الذي طالما حلمت به البشرية. وظلت اليوتوبيا حاضرة في الأزمنة المعاصرة، لا سيّما في القرن التاسع عشر، حيث تعددت أنماطها لتشمل النقد الاجتماعي والآمال الثورية وتَصوُّر عوالم إنسانية جديدة، ولم تتراجع إلا بعد أن قابلها ماركس بالنقد، باسم العلم، حيث بيّن طبيعتها اللاواقعية والواهمة وحتى الخطيرة.

هذا النقد يتصدى له اليوم ميغيل أبنسور الرئيس الأسبق للمعهد العالمي للفلسفة في كتابه “تاريخ اليوتوبيا ومصير نقدها”، ويبين مثلا أن وضع النظرية العلمية في مقابل الحلم الطوباوي لم يكن عنصرا حاسما في تراجعها، وإنما نزوع الفلسفة السياسية إلى الواقعية، إذ عمدت إلى مقاربة تتوسل بالعلوم والمبتكرات الحديثة لتحسين وضع الإنسان وشروط بقائه، ولكنها في الحقيقة ألغت جانب الحلم فيه، وحصرت تفكيره في المعيش اليومي، الذي صار يكدّ أكثر من أي وقت مضى لتوفير أسبابه. وفي رأيه أننا نشهد اليوم بوادر عودة اليوتوبيا ولو في أشكال مستجدة، من خلال حركات شبابية تناضل لأجل غد أفضل، وعمليات استباقية تستند إلى معطيات الراهن وترسم ما سوف يكون عليه المستقبل، ومنظرين مثله يطمحون إلى ما يسميه “مستحيلا قابلا للتحقق” رغم كل شيء. وكلها حركات سلمية غايتها كرامة الإنسان، بعكس الجماعات المتطرفة التي تتوسل هي أيضا باليوتوبيا، في رغبة العودة إلى مجتمع مؤسطر قوامه الطهر، ووعدها أتباعها بملكوت السماوات والأرض، ولكنها في الواقع حركات تدميرية تفتك بالإنسان وتحرق الزرع والضرع، ولا يمكن لليوتوبيا أن تتحقق وسط الخراب.

كاتب من تونس مقيم بباريس

15