عودة امرأة من أرض الجهاد

الخميس 2014/07/10

كنتُ لا أزال أقيم مع والديّ عندما بلغَنا أنّ ابنة خالتي المقيمة في هولندا قد تحجّبت ثم تنقّبت ثم تزوّجت سلفيا جهاديا، ثم أنكرت أمها وأنكرتها أمها، ثم فارقت البلاد والعباد، فهاجرت مع “مولاها” إلى أرض اليمن، وانقطعت أخبارها. ومرّت عشر سنوات أو أكثر، ولا أثر ولا خبر.

وفي إحدى المرّات هاتفتْ أمي من الدار البيضاء، وأخبرتْها بأنها أصبحت تقيم في المغرب مع زوجها وأبنائها، وأنها قادمة لزيارتها وعسى أن تتوسط لها في المصالحة مع أمها. أخيرا، ترك الزوج الملتحي زوجته في بيت أمي وانصرف مؤكدا بأنه سيعود لإرجاعها بعد أسبوع. غير أن الصلح لم يتم.

احترمتُ قرار خالتي لكني في نفس الوقت أشفقت على حال ابنتها لا سيما بعد أن علمت بالقصة كاملة:

منذ هجرتها إلى اليمن مع زوجها الخليجي الذي تزوجته بلا توثيق، بدأ الزوج مع جماعة من أصدقائه يعدّونها لتنفيذ عملية انتحارية “في سبيل الله” ! غير أن الفتاة تراجعت في آخر لحظة. وبعد أيام طلقها زوجها على طريقة “أنت طالق”. ثم أشفق رجل ثان لحالها وتزوجها، وهو الآخر طلقها بعد حين. ولله عاقبة الأمور. لعله جهاد المناكحة إذاً، لأن السلسلة استمرت، وكان الرجل الأخير، الرّابع أو الخامس، مغربيا، وهو الوحيد الذي أنجبت معه.

وبعد حين من الدهر حملها زوجها المغربي رفقة الأبناء إلى المغرب، فاكترى شقة بالدار البيضاء. وبما أن ابنة خالتي تحمل الجنسية الهولندية فقد بدأ يخطط للهجرة إلى هولندا على أمل الحصول على الجنسية هناك. وهذا ما فهمناه في النهاية.

قبل ذلك كانت نوايا ابنة خالتي تثير ريبتنا، لا سيما بعد أن أسرت لأمي بأنّ هاتفها مراقب من طرف زوجها، مستدركة بأن هذا من حقه. وشخصيا زادت ريبتي حين طلبتْ من أمي أن تحملها لزيارة أسرتي في بيتي. قلت، كيف بابنة خالتي المنقبة والتي لم تمنحني الحق في أن أرى مجرد وجهها أن أستضيفها في بيتي؟

لم نعلم بحقيقة أمرها إلا بعد أن بلغنا قبل نحو أسبوعين بأنها تركت فلذات أكبادها وفرّت من زوجها الذي كان في الواقع يحتجزها ويراقبها ويرعبها، وكان يأمل في أن تتدخل أمي لمصالحتها مع أمها أملا في تيسير سبل الهجرة إلى هولندا؛ لأنه كان يأمل أيضا في الحصول على الجنسية الهولندية.

أخيرا نجحت ابنة خالتي في الفرار والعودة إلى هولندا. لربّما ستعاني من فقد فلذات أكبادها، لكن لا يفر من الجحيم إلا من عرف الجحيم.

يؤسفني أني لم أفتح لها باب بيتي كما كان ينبغي، وأنها لم تكشف لي عن ملامح وجهها كما كان يجب. يؤسفني أنني لم أعرف ابنة خالتي إلا كشبح يزور بيت أمي أحيانا. غير أني لم أدرك أي رعب ذاك الذي كان الشبح يخطط للخلاص منه.

24