عودة انتشار السلفية في مصر: استكمال لمخطط الفوضى الخلاقة

الخطر السلفي عاد لينتشر في مصر خاصة بعد أن تراجع الإخوان المسلمون في السنتين الأخيرتين إثر ثورة شعبية عارمة قامت ضدهم، ولكن مفتي الديار المصرية السابق علي جمعة انخرط في معركة الدولة المصرية لتخليصها من خطر الإسلام السياسي المتشدد، طارحا العديد من الأفكار التي تفند النظرية السلفية وتكشف زيف خطابها في كتابه الأخير “المتشددون”.
الأربعاء 2016/03/09
السلفيون الخزان الاستراتيجي للإرهاب

القاهرة- صدر للمفتي السابق للديار المصرية علي جمعة كتاب جديد بعنوان “المتشددون” يهتم فيه بظاهرة السلفية بشكل كبير في الفترة الأخيرة، خاصة بعد أن خلت الساحة السياسية المصرية من جماعة الإخوان المسلمين التي تعتبر أكبر جماعة إسلام سياسي في البلاد منذ ثلاثينات القرن الماضي، والتي تم إسقاطها بثورة شعبية في يونيو 2013.

وأكد علي جمعة أن ظاهرة السلفية لها ارتباط عضوي بنظرية الفوضى الخلاقة، وهو المصطلح الذي شاع في الاستعمالات السياسية والأدبية في الآونة الأخيرة، وإن كان كثيرون لا يدركون أصوله ومعانيه وآثاره والنموذج المعرفي المنتمي إليه، مضيفا أن الفوضى التي يبحث عنها التيار السلفي هي أن يحافظ على تخلف العقل العربي وإعاقة تطور المسلمين.

وقال جمعة في كتابه “لقد أصبح توجه هؤلاء المتشددين عائقا حقيقيا لتقدم المسلمين ولتجديد خطابهم الديني وللتنمية الشاملة التي يحتاجها العالم الإسلامي عامة، ومصر على وجه الخصوص، وهذا التوجه المتعصب أصبح تربة صالحة للفكر المتطرف، وأصلا للمشرب المتشدد الذي يدعو إلى تشرذم المجتمع وإلى انعزال الإنسان عن حركة الحياة، وأن يعيش وحده في خياله الذي غالبا ما يكون مريضا غير قادر على التفاعل مع نفسه أو مع من يحيط به من الناس، ويتميز هذا الفكر المتشدد بعدة خصائص تؤدي إلى ما ذكرنا وترسم ذلك الموقف الذي يجب على الجميع الآن خاصة أن يقاوموه وأن يعملوا بكل وسيلة على إخراج أولئك من عزلتهم، لأنهم لم يعودوا ضارين لأنفسهم فقط، لكن ضررهم قد تعدى إلى من حولهم وإلى شباب الأمة ومستقبلها وإلى المجتمع بأسره”.

ويحدد علي جمعة في كتابه الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة مجموعة المسائل التي يتمسك بها المتشددون ولا تمثل هوية الأمة، ويرى أن كلها مسائل فرعية جعلها السلفيون معيارا لتصنيف المسلمين وامتحانا لتقسيمهم، وروج لدى طوائف كثيرة من الناس أنها قطعية لا خلاف فيها، وأن الحق معهم وحدهم، وأن القائل بغير ما يقولونه مارق، فاسق، منحرف، أو على أقل تقدير غير ملتزم ومتساهل أو يتهم بأنه ليس متبعا للرسول صلى الله عليه وسلم، فشغلوا الناس بهذه المسائل.

علي جمعة: ظاهرة السلفية هي ظاهرة لها ارتباط عضوي بنظرية الفوضى الخلاقة

وتعتبر هذه الأساليب التي لا تخرج عن كونها خطابا سياسيا مغلفا بالدين من أكثر الأساليب الخداعة للجمهور، فهي صادرة عن قائل يدعي المعرفة في الدين الإسلامي وفي سياق مشحون يتم التجهيز له مسبقا ويتم إفهام الخطاب السياسي بالنص الديني والاستنتاجات المغلوطة.

وقد اختار جمعة من تلك المسائل الخطابية التي يستعملها السلفيون في خطابهم المغلوط سبع عشرة مسألة قام بتفنيدها والكشف عن فساد السلفيين المتشددين وضلال آرائهم وأفكارهم وفتاويهم، وهي مسائل تتعلق بوصف الله بالمكان وانتقاص الأشاعرة وإنكار اتباع المذاهب الفقهية وتقليدها والإقدام على الإفتاء بغير تأهيل ونظام واتساع مفهوم البدعة مما يترتب عليه تبديع أغلب المسلمين وتحريم التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وعده شركا بالله وتحريم الصلاة في المساجد ذات الأضرحة والتصريح بوجوب هدمها وتحريم الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم وعده بدعة وضلالة والخلط بين الوعظ والعلم وغيرها من المواضيع الكثيرة التي جعلها السلفيون أغطية دينية في شكل فتاوى كي تكون لهم مكانة في المشهد الديني والسياسي واصطناع مكانة لهم في المشهد العام والحديث في شأن الناس والدولة وغيرهما.

ويؤكد علي جمعة أن من مصائب هذا التيار المتشدد أنه اتهم الأشاعرة بأنهم فرقة ضالة، وقال جمعة “هنا يتجلى فكر الخوارج الذي لا يعبأ بأن يخرج على جماعة المسلمين لينتقصهم ويزعم أنهم على ضلالة ويدعي الحق لنفسه”.

وهذا ما يؤكد أن خطاب السلفية الديني هو خطاب إقصائي من داخل السياق الديني، فما بالك إذا تطور الخطاب إلى المجال السياسي الذي يتميز بحدة الاختلافات والتناقضات في أحيان كثيرة.

وأضاف جمعة مفندا ادعاءات السلفيين على الأشاعرة “لقد خدم أئمة الأشاعرة علوم الكتاب والسنة، واستنبطوا الأحكام وأسهموا في إنضاج المذاهب الفقهية حتى استوت على سوقها، فكان منهم الإمام المفسر، وأمير المؤمنين في الحديث، والفقيه المجتهد، والأصولي النظار، واللغوي البارع. ومن العجب أن نرى المتشددين يطعنون في الأئمة الأشاعرة، ويخرجونهم من دائرة أهل السنة والجماعة، ناسين أنهم ـ بهذا المسلك الخطيرـ يشككون في أئمة أعلام نقلوا الكتاب والسنة، وخدموا علومهم ولا تزال الأمة قاطبة ومنها المتشددون أنفسهم تعيش عالة على علومهم”.

وأشار علي جمعة في كتابه إلى أن الفتوى مجال واسع وعميق ويجب أن يكون المفتي حافظا للدين من غير نية في تسييسه أو البحث من خلاله عن منصب أو سلطة سياسية على الناس، مؤكدا أن الفتاوى التي تصدر عن السلفيين ليست غايتها الإسلام والمسلمين ومصالحهم بل إن غايتها ترويج الأكاذيب والبحث عن مصالح خاصة بالسلفيين للوصول إلى السلطة.

13