عودة تسلط البعث السوري على مفاصل الدولة والمناصب الإدارية

النظام السوري يوهم الرأي العام الدولي بعودة الحياة الطبيعية للسوريين واستمرار الحياة السياسية من خلال تفعيل استحقاقات كانت مؤجلة بفعل الصراع.
الاثنين 2018/08/27
البعثيون يؤيدون النظام رغم ما أحدثه من خراب

لندن - يرغب النظام السوري في العودة إلى واقع ما قبل الانتفاضة الشعبية التي انطلقت في مارس 2011 من محافظة درعا، عبر إيهام الرأي العام الدولي بعودة الحياة الطبيعية للسوريين واستمرار الحياة السياسية من خلال تفعيل استحقاقات كانت مؤجلة بفعل الصراع، أبرزها انتخابات مجالس الإدارة المحلية في المحافظات والمدن التي تتبعها عادة انتخابات مجلس الشعب، وهي خطوة تسمح بعودة قوية لحزب البعث الحاكم برئاسة بشار الأسد إلى السلطة وستكون بمثابة الفرصة لإحكام قبضته على مفاصل الدولة والمناصب الإدارية في البلد.

 وقد أصدر بشار الأسد، الذي يشغل حاليا منصب الأمين القطري لحزب البعث، يونيو الماضي مرسوما لإجراء انتخابات المجالس المحلية في 16 سبتمبر المقبل، وهي الأولى منذ عام 2011. ووافقت السلطات السورية، بداية أغسطس الجاري، على قبول طلبات نحو 35 ألف مرشح للتنافس على 18 ألف مقعد في انتخابات المجالس المحلية المزمع عقدها الشهر المقبل، وفق ما نقلت صحيفة “الوطن” المقربة من النظام عن اللجنة القضائية العليا للانتخابات.

 

يحاول النظام السوري استثمار انتصارات ميدانية متتالية حققها في الآونة الأخيرة على حساب فصائل المعارضة لنيل مكاسب سياسية تزيد من إحكام قبضته على المشهد السياسي في بلد أنهكته الحرب على مدى سبع سنوات، في الوقت الذي تستعد فيه قوات النظام لشن عملية عسكرية واسعة على إدلب آخر معقل مهم للمعارضة وسط تحذير أممي من هذه العملية، حيث يسعى النظام السوري جاهدا إلى إعادة نفوذ حزب البعث من خلال انتقاء قوائم موالية له في انتخابات المجالس المحلية المرتقبة ووضع شروط مجحفة للمرشحين بهدف فرض البعثتين الأكثر  موالاة له في مفاصل الدولة والمناصب الإدارية وبالتالي إحكام قبضته أكثر على المشهد السياسي.

وبعودة الانتخابات المحلية يعود تسلط حزب البعث على المشهد السياسي الذي عرف به منذ أن قفز إلى الحكم عام 1963، حيث فرض شروطا مجحفة على الذين يريدون الترشح في قوائمه. وقد أصدر هلال هلال، الأمين القطري المساعد لحزب البعث الحاكم في سوريا، القرار رقم 108 لعام 2018 الذي يحدد الأسس الواجب اتباعها بشأن إقرار قائمة الوحدة الوطنية لانتخاب مجالس الإدارة المحلية ومكاتبها التنفيذية، والمعايير الواجب توافرها في المرشحين. ويرى مراقبون أنها شروط تستهدف أساسا معارضي سياسات النظام من عناصر الحزب وخارجه، وهي خطوة تعيد إلى الذاكرة الحركة الانقلابية التي قام بها حافظ الأسد داخل الحزب سميت آنذاك بحركة تصحيحية تسلم على إثرها قيادة البعث بعد صراع وانقسام محتدم على السلطة.

قوائم انتقائية

يتكون القرار من 7 مواد أساسية، المادة الأولى منه تتألف من 3 فقرات، الفقرة “أ” تنص على “اختيار ممثلي الحزب لمجالس الإدارة المحلية ومكاتبها التنفيذية وتتكون بدورها من بندين؛ الأول: تحدد اللجنة القيادية العليا عدد مرشحي حزب البعث العربي الاشتراكي لانتخابات جميع المجالس المحلية ومكاتبها التنفيذية، بناء على اقتراح من قيادات الفروع الحزبية، أما البند الثاني فيوصي بأن تسمي اللجنة القيادية العليا ممثلي الحزب في المكاتب التنفيذية للمحافظات، والمكاتب التنفيذية لمدن مراكز المحافظات، ورؤساء مجالس المدن، بحضور الرفاق: وزير الإدارة المحلية وأمين الفرع والمحافظ، بناء على اقتراحات من قيادات الفروع الحزبية “. وتعني هذه الفقرة أن حزب البعث سيحدد عدد منتسبيه الممثلين في المجالس، وسيعين منهم أعضاء المكاتب التنفيذية، وحتى تسمية رؤساء المجالس.

 وتنص الفقرة “ب” على “اختيار قوائم الحزب لمجالس المدن والبلدان والبلدات ومكاتبها التنفيذية”. وتتكون من 4 بنود تحدد آلية ترشيح القوائم عبر اجتماعات بين قيادات الشعب والفرق الحزبية وأمنائها وترشيح ضعف العدد المطلوب، وترشيح أسماء أعضاء المكاتب التنفيذية ورؤساء المجالس ورفع هذه القوائم لقيادات الفروع الحزبية على أن تكون جميع الأسماء من البعثيين حصرا.

وتحدد الفقرة “ج” الشروط الواجب توافرها في المرشحين وتنص على العمل على اختيار الكفاءات التي تحظى بالقبول الشعبي والجماهيري، والصدق والنزاهة والإخلاص، والشخصية القيادية والقدرة على الإبداع والتطوير، والانتماء الوطني (الموقف خلال الحرب على سوريا)، ويفضل من يحمل مؤهلا جامعيا، فيما تشرح المواد الست الباقية بعض التعليمات الإضافية وآلية توجيه القرارات.

ولا يكتفي القرار الجديد بفرض البعثيين في مجالس المحافظات والمدن إلى أصغر تمثيل إداري، بل يتعداه هذه المرة، خلافا للانتخابات الماضية، إلى تعيين أعضاء المكاتب التنفيذية ورؤساء المجالس بقرار سياسي، عوضا عن انتخابهم من المجالس نفسها، وفق توجيهات القيادة. ويتناقض بذلك مع مرسوم تشريعي أصدره الأسد في أغسطس عام 2011 سمي المرسوم التشريعي 107 لعام 2011 قانون الإدارة المحلية، والذي تمت بموجبه الانتخابات في ديسمبر من العام نفسه.

ويأتي التناقض في المواد 19 و20 و21 من المرسوم، والتي نصت صراحة على الاقتراع السري وبالأكثرية المطلقة للحاضرين في الجلسة الأولى للمجلس، المنتخب مباشرة، لانتخاب رئيس المجلس، ونائبه، وأعضاء المكتب التنفيذي.

يعمد النظام من خلال قرار 108 إلى وضع يده بشكل كامل على مجالس الإدارة المحلية الجديدة، كون المرحلة القادمة ستكون مرحلة إعادة الإعمار، وهي مهمة منوطة بهذه المجالس التي سيكون لها دور أساسي في إدارة هذه المرحلة ومراقبتها

واللافت في القرار تسمية قائمة المرشحين البعثيين الجديدة بـ”قائمة الوحدة الوطنية” بدلا من التسمية القديمة “قائمة الجبهة” التي ألفها الشعب السوري في الانتخابات على مدى عقود من حكم البعث في سوريا؛ حيث كانت تعد قوائم جاهزة بأسماء المرشحين من البعث والجبهة الوطنية التقدمية، ويفرض على كل ناخب أن يقبلها ويضعها في الصناديق الانتخابية ضمانا لنجاحها، ويضمن النظام بذلك الفوز بثلثي المقاعد في الانتخابات التشريعية على اختلافها.

والجبهة الوطنية التقدمية هي ائتلاف مكون من مجموعة من الأحزاب الوطنية والقومية الاشتراكية والشيوعية بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي. ولا يرد في قرار القيادة القطرية الجديد أي ذكر لأحزاب الجبهة، ويشدد على شرط كون المرشح على القائمة من البعثيين الملتزمين بمواصفات معينة.

يعود البعثيون عبر هذا القرار الذي يسمح بتوليهم مناصب إدارية إلى تصدر المشهد السياسي والتحكم في قرارات البلد بقوة، بعد أن اشتكوا من التهميش إبان تولي بشار الأسد مقاليد السلطة خلفا لوالده، ووجدوا في الحرب المدخل المناسب لعودة نفوذهم، فأعادوا تجميع صفوفهم عبر تشكيل ميليشيات مقاتلة تحت مسمى كتائب البعث وتسليحها وإشراكها في المعارك بشكل مباشر.

ويصر القرار على التشدد في انتقاء المرشحين من البعثيين بإضافة بند الانتماء الوطني (الموقف خلال الحرب على سوريا) كواحد من الشروط الواجب توافرها في المرشحين، مما يسهل إبعاد البعثيين المشكوك في مواقفهم؛ فحتى التزام الصمت والحياد خلال الحرب، عوضا عن الموقف الصريح الداعم للنظام السوري، سيكون حجة لإدانتهم. وسيكون للأجهزة الأمنية القول الفصل في هذه التقييمات للمرشحين عبر تقارير أمنية، تحدد مدى موالاة المرشح وأهليته أمنيا وسياسيا للترشح.

مرحلة إعادة الإعمار

يعمد النظام السوري من خلال هذا القرار إلى وضع يده بشكل كامل على مجالس الإدارة المحلية الجديدة، كون المرحلة القادمة ستكون مرحلة إعادة الإعمار، وهي مهمة منوطة بهذه المجالس التي سيكون لها دور أساسي في إدارة هذه المرحلة ومراقبتها، ومن صميم عملها ضمن حدودها الإدارية.

ويمكن تفسير التشدد في اختيار أعضاء المجالس المحلية وانتقائهم، بانعدام ثقة النظام في الأوساط الموالية له، أمام تخوفه من أن تنتخب ممثلين لها لديهم ما يضمرونه ضده، لذلك يعتبر أن إحكام القبضة الأمنية هو الضامن الوحيد في هذه المرحلة تحديدا.

ويشمل ذلك التقارب مع الذين يتحقق فيهم الحد الأعلى من الموالاة والتبعية ومدى تصدرهم المشهد السياسي للاعتماد عليهم في المناصب الإدارية والحكومية، في مقاربة مشابهة لثمانينات القرن الماضي مما عرف بأزمة الإخوان المسلمين وما تلاها من تشديد للقبضة الأمنية، وحصر المناصب والوظائف في أقرب المقربين خاصة البعثيين منهم.

وجرت العادة أيضا على أن تلي انتخابات المجالس المحلية، انتخابات مجلس الشعب، وبآلية مشابهة إلى حد كبير، والجديد فيها سيكون الأحزاب الجديدة التي ظهرت في سوريا، بعد صدور قانون الأحزاب رقم 100 عام 2011، والذي اعتبر وقتها محاولة من النظام لامتصاص الغضب الشعبي بعد أشهر من انطلاق شرارة الثورة.

وكان من المفترض أن تجرى الانتخابات المحلية في سوريا مطلع عام 2016 بحسب قانون الإدارة المحلية رقم 107، بعد انتهاء ولاية المجالس المحلية في عموم البلاد، التي انتخبت نهاية عام 2011. وآنذاك قرر النظام السوري التمديد للمجالس الحالية بسبب تعذر إجراء الانتخابات نتيجة اشتداد المعارك في أغلب المناطق السورية، بينما لم يتم التمديد لمجلس الشعب، وأجريت انتخابات المجلس في 13 أبريل 2016 في الوقت الذي كان فيه تنظيم الدولة يحتل الرقة بالكامل، والجزء الأكبر من دير الزور، في حين كانت إدلب ودرعا خاضعتين لفصائل المعارضة المسلحة. لكن المستجدات السياسية الحالية في صالح الرئيس السوري بشار الأسد وقواته بعد انتصاراتهم الميدانية على المعارضة بدعم روسي ومن المتوقع أن يستثمرها النظام في انتخابات المجالس المحلية القادمة، وبالتالي تعزيز نفوذ حزب البعث من جديد.

6