عودة رابطات حماية الثورة تخيف التونسيين والنهضة تتبرأ

تعتبر رابطات حماية الثورة إحدى الإفرازات السلبية للثورة التونسية، وبعد عامين تقريبا من القرار القاضي بحلّها، أطلّت مجددا لتثير القلق في نفوس الكثيرين، الذين اتهموا حركة النهضة برعاية هذه الميليشيات لتوظيفها في صراعها مع خصومها العلمانيين، رغم تبرّؤ الأخيرة منها.
الأحد 2016/11/20
الشاهد: عهد الميليشيات ولى

تونس - عادت ما يسمّى برابطات حماية الثورة لتتصدر المشهد التونسي وتثير قلق الأطراف السياسية والمجتمعية، بعد القرار القضائي المثير للجدل بتبرئة عدد من أعضائها من تهمة قتل العضو في حركة نداء تونس لطفي نقض قبل نحو أربع سنوات.

ورابطات حماية الثورة هي ميليشيات تتبنى خطاب العنف والإقصاء، برزت خلال فترة صعود الإسلاميين إبّان سقوط حكم الرئيس زين العابدين بن علي في العام 2011.

وصدر قرار قضائي بحلّها في العام 2014، بعد أن ثبت تورطها في أحداث عنف، لعلّ من أشهرها حادثة الاعتداء على مقر الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية في تونس) في 4 ديسمبر 2012، والاعتداء على مسيرة نظمت بمناسبة عيد الشهداء في 9 أبريل من نفس العام.

وحذر رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد، من عودة “رابطات حماية الثورة” إلى سالف أنشطتها. وجاء تحذير رئيس الحكومة في كلمة له في جلسة عامة في البرلمان الجمعة بعد أيام من صدور الحكم الذي برّأ ساحة أربعة عناصر من الرابطات مرهوبة الجانب، كانوا متهمين في مقتل لطفي نقض أحد أعضاء حزب نداء تونس بمحافظة تطاوين جنوب تونس.

وبخلاف الجدل الذي أثاره قرار المحكمة بين مؤيد معارض، فإن الحكم ببراءة المتهمين سمح بإعادة صورة الرابطات إلى السطح ومنح دفعة معنوية وسياسية لأنصارها.

وقال رئيس الحكومة يوسف الشاهد “لن أعلّق على حكم القاضي. ولكن أريد أن أقول إن الشهيد لطفي نقض، ليس شهيد نداء تونس فقط، هو شهيد تونس وجميع التونسيين”.

ولقي لطفي نقض ممثل حزب حركة نداء تونس وأيضا اتحاد الفلاحين في تطاوين جنوب البلاد، حتفه سحلا يوم 18 أكتوبر 2012 في أحداث عنف بين أعضاء الرابطات وأنصار الحزب.

وكان الاتهام بالقتل موجها إلى رابطات حماية الثورة الذراع الميدانية للائتلاف الحاكم بين 2011 و2014 والذي قاده حزب حركة النهضة الإسلامية وحليفه حزب المؤتمر من أجل الجمهورية للرئيس السابق المنصف المرزوقي وحزب التكتل.

وقال الشاهد “الذين استعملوا العنف، في مرحلة صعبة من تاريخ بلادنا وهددوا الانتقال الديمقراطي والسلم الأهلي والوحدة الوطنية، وتصوروا أنه يمكن أن يصبحوا ميليشيات منظمة. هذه العصابات عليها أن تعرف أن هذا الزمن مرّ ومضى والعودة إليه مجرد أوهام”. وأضاف الشاهد “سنقف لهؤلاء بالمرصاد وسنطبق القانون بكل صرامة”.

وخلال فترة نشاط الرابطات كان العداء على أشده آنذاك بين الائتلاف الحاكم والمعارضة العلمانية، وبشكل أساسي حزب حركة نداء تونس الذي أسسه الرئيس الحالي الباجي قايد السبسي لمنع هيمنة الإسلاميين على الحكم بعد نجاحهم في أول انتخابات أعقبت “الثورة”.

وقال الشاهد “لن نسمح لأحد بأن يعيد تقسيم التونسيين وبأن يبثّ خطابات الكره والخوف. تونس ليست بحاجة اليوم لإعلانات حرب من أيّ كان. تونس بحاجة لمن يؤمن بالديمقراطية ومدنية الدولة وعلوية الدستور”.

وأحدث الصعود المفاجئ لرابطات حماية الثورة بعد صدور الحكم القضائي الاثنين الماضي توترا تردد صداه داخل الائتلاف الحكومي الحالي بين حزبي حركة نداء تونس وحركة النهضة الإسلامية.

النهضة ترى أن الحملة السياسية والإعلامية على رابطاتها ما هي إلا جزء من حملة عامة يقودها خصومها وتقديمها على أنها حركة تتبنى العنف منهجا

وسارعت النهضة، إلى النأي بنفسها عنها، حيث أصدرت الخميس بيانا “مخاتلا وضبابيا” قالت فيه إنه “لا علاقة مطلقا لها بما كان يعرف برابطات حماية الثورة التي تمّ حلّها ووقف نشاطها بطلب من الحكومة عام 2013 وبحكم قضائي سنة 2014، مشيرة إلى أنها “ترفض عودتها للنشاط من جديد”.

غير أن المتأمل في نص البيان يلاحظ أن النهضة لم تعلن موقفا واضحا وصريحا من الرابطات حيث استبطن دفاعا عن المتهمين في مقتل لطفي نقض، مشددا على أن الأحكام القضائية “ينبغي احترامها ولا مصلحة للبلاد في التشكيك فيها”.

وذهبت الحركة إلى حد القول بأن “توظيف قضية نقض يشوّش على القضايا الحقيقية لتونس ولا يخدم إلا أجندة تقسيم التونسيين وتمزيق نسيجهم الاجتماعي” وذلك في رد على مطالبة العلمانيين والنشطاء بإنهاء عنف الرابطات ميدانيا وإعلان موقف بقطع أيّ صلة لهم بالحركة الإسلامية.

وتجنبت النهضة في بيانها الذي أثار جدلا في الأوساط السياسية ونشطاء المجتمع المدني تحميل الرابطات أيّ شكل من أشكال ممارسة العنف أو التحريض عليه على الرغم من أنها تعلم أكثر من غيرها أنها كثيرا ما استنجدت بـ”الذراع العسكرية” لاستهداف نشاط العديد من الشخصيات السياسية.

وفي محاولة لتخفيف الضغط عليها حاولت الحركة “تعويم” مسألة الرابطات من خلال الدعوة إلى “تقديم المصلحة العليا للبلاد عبر توسيع التوافق السياسي ونبذ الإقصاء والاستقطاب وتكاتف جهود كل الأطراف السياسية والمدنية من أجل رفع التحديات الكبرى التي تواجه تونس ومن أجل دعم الاستقرار وتعزيز الوحدة الوطنية”.

وجاء “التبرؤ المخاتل” في أعقاب بيان أصدره نداء تونس شدّد فيه على “صدمة الحزب بمؤسساته ومناضليه ومناضلاته بشأن الحكم في قضية لطفي نقض والقاضي بتبرئة المتهمين وحفظ القضية في شأنهم” معبّرا عن استنكاره من عودة ما يسمى برابطات حماية الثورة المنحلّة قانونيا إلى النشاط وظهور عناصرها المفاجئ بخطابها الإقصائي المتطرف.

ودعا نداء تونس النهضة إلى “توضيح موقفها الرسمي من هذه الميليشيات ومواقف بعض قياداتها الداعم لها” كما دعا “القوى الديمقراطية إلى الالتفاف حول المبادئ الوطنية والوقوف صفا واحدا ضد قوى الردة والميليشيات الداعية للفوضى والعنف.

وفي تعليقه على مسألة “التبرؤ” شدد منجي عبدالرحمن الخبير في الجماعات الإسلامية وأستاذ العلوم السياسية بالجامعة التونسية على أن “بيان النهضة لم يتضمن موقفا واضحا يؤكد تبرؤ الحركة من الرابطات” مشيرا إلى أن “النهضة تنتهج سياسة المخاتلة والتمويه في قضايا حساسة وخاصة بشأن ذراعها الميدانية التي تنفذ جزءا من أجندتها على الأرض”.

وقال عبدالرحمن إن “المسألة لا تتمثل في نص يروّج للتبرؤ وإنما تتمثل في أن تقطع النهضة تماما علاقاتها مع ميليشيات” تتبنى العنف. وترى النهضة أن الحملة السياسية والإعلامية على رابطاتها ما هي إلا جزء من حملة عامة يقودها خصومها وتقديمها على أنها حركة تتبنّى العنف منهجا ووسيلة إما لهرسلة العلمانيين وشل جهودهم أو للتموقع أكثر ما يمكن ضمن مواقع صنع القرار الإداري والسياسي.

كما ترى في الحملة محاولة لتأليب الرّأي العام عليها وإرباكها وتشويه صورتها كحركة مسالمة تؤمن بالنشاط السياسي المدني.

وكان حسين العباسي الأمين العام لاتحاد الشغل قد سبق ووصف رابطات حماية الثورة بـ”الذراع العسكرية وذراع العنف لحركة النهضة” مشددا على أن “هذا الجناح العسكري كان مخوّل له ممارسة العنف” في إشارة ضمنية إلى عدة أعمال عنف ارتكبتها الرابطات وتستّرت عليها النهضة بل ودافعت عنها.

2