عودة رفات رموز المقاومة لا تنسي ذاكرة الجزائريين مآسيها

تحذيرات من استغلال “الإنجاز التاريخي” في التجاذبات السياسية.
الأحد 2020/07/05
هل تكون هذه الخطوة بداية مسار المصالحة التاريخية بين الجزائر وباريس؟

استعادت الجزائر، الجمعة، رفات 24 من قادة المقاومة الشعبية ضد الاستعمار الفرنسي في القرن التاسع عشر، وذلك بعد مفاوضات بدأت عام 2016. وفيما أشادت أوساط سياسية بالتسوية التاريخية بين البلدين، حذر آخرون من استثمار السلطة هذا الإنجاز بهدف تحقيق مكاسب سياسية وتلميع صورتها لدى الشارع.

الجزائر – أثارت عودة رفات رموز المقاومة الشعبية الجزائرية في منتصف القرن التاسع عشر، من متحف الإنسان بباريس إلى أرض الوطن، لغطا سياسيا متعدد الجوانب، على خلفية ممكنات الإنجاز في ترميم العلاقات الجزائرية الفرنسية المتذبذبة من جهة، واستغلال الأمر في تلميع صورة السلطة المهترئة داخليا من جهة أخرى.

وأجمع الجزائريون بمختلف توجهاتهم السياسية والأيديولوجية، على أن استعادة رفات رواد المقاومة الشعبية، يعد “إنجازا للذاكرة الوطنية وخطوة في طريق التسوية التاريخية بينهم وبين الفرنسيين فيما يتصل بالحقبة الاستعمارية ( 1830- 1962 )”، لكن أصواتا حذرت من الاستغلال السياسي للإنجاز، سواء على الصعيد الداخلي أو على صعيد العلاقات الثنائية بين الحكومتين في الجزائر وباريس.

وفيما تركزت الأنظار كلها في البلاد على العبر والدروس التاريخية، لرمزية عودة رفات رواد المقاومة الشعبية إلى أرض وطنهم، بعد 170 عاما من الاحتجاز لدى الفرنسيين، فقد طفت بوادر الشكوك وعدم الاطمئنان للخطوة المنجزة لدى عدة دوائر، في ما يتصل بالمقابل الذي تحصلت عليه فرنسا، ومصير الرفات المتبقية وأسباب استثنائها من الاستعادة.

ولفت قائد أركان الجيش الجزائري الجنرال سعيد شنقريحة، في كلمة له في احتفالية استعادة الرفات، بأن الـ24 جمجمة العائدة من متحف الإنسان، هي “دفعة أولى”، مما يرجح إمكانية وجود دفعات أخرى، ولم يشر في خطابه الذي ضمنه مفردات قوية تجاه الفرنسيين، إلى الأسباب التي أخّرت عودة جميع الرفات في دفعة واحدة.

طفت بوادر شكوك وعدم اطمئنان للخطوة المنجزة لدى عدة دوائر، في ما يتصل بالمقابل الذي تحصلت عليه فرنسا، ومصير ما تبقى من رفات

وتعد مسألة الجماجم والرفات، واحدة من الملفات التاريخية العالقة بين البلدين، والتي لم تسمح ببروز علاقات قوية ومتكاملة رغم المصالح المشتركة الكثيرة بين البلدين، في انتظار استكمال المفاوضات المعقدة حول قضايا التفجيرات النووية في الصحراء الجزائرية، واستعمال الفرنسيين حينها لجزائريين كفئران تجارب، والأرشيف التاريخي المحتجز في باريس، والاعتراف والاعتذار عن الحقبة الاستعمارية (1830- 1962)، وما رافقها من جرائم ضد الإنسانية وممارسات وحشية في حق الأهالي.

وتذكر شهادات تاريخية، إلى أن “مؤسسات فرنسية لا زالت تحتفظ لحد الآن بأغراض عينية وأجزاء من أجساد جزائريين، كأذان بعض النسوة، فضلا عن محتجزات مادية وتاريخية كمدفع ‘بابا مرزوق’، الموروث عن العهد العثماني في الجزائر”.

وفيما سارعت دوائر موالية للسلطة، كحزب جبهة التحرير الوطني، و”فضل”، إلى تلميع صورة السلطة الجديدة في البلاد بقيادة الرئيس عبدالمجيد تبون، واساب الإنجاز التاريخي له، حيث كتب وزير التجارة كمال رزيق في حسابه الشخصي “دموعك غالية سيادة الرئيس”، أصدر حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم بيانا مؤيدا ومشيدا بدور تبون في تحقيق الإنجاز، فإن أصواتا معارضة حذرت من “الرقص على رؤوس الشهداء والأبطال”.

وأوردت برقية لوكالة الأنباء الرسمية، ما أسمته بـ”مسار المفاوضات الثنائية بين الطرفين الذي بدأ العام 2016، من أجل استرجاع جماجم أبطال المقاومة إلى أرض وطنهم بعد قرابة القرنين من الاحتجاز في باريس”، إلا أنها لم تشر إلى بدايات الملف الذي فجره أكاديميون وناشطون جزائريون في فرنسا، على غرار الباحثين إبراهيم سنوسي وعلي فريد بلقاضي.

عودة رفات رواد المقاومة الشعبية إلى أرض وطنهم بعد 170 عاما من الاحتجاز لدى الفرنسيين
عودة رفات رواد المقاومة الشعبية إلى أرض وطنهم بعد 170 عاما من الاحتجاز لدى الفرنسيين

ورغم التقارب المسجل في علاقات الجزائر وفرنسا خاصة خلال العقدين الأخيرين، إلا أنها ظلت رهينة ألغام مفخخة تنفجر بين الفينة والأخرى، بسبب عدم الحسم في مسائل الذاكرة والتاريخ المشترك، وعرفت تصعيدا خلال الأشهر الأخيرة، حيث تدخلت الدبلوماسية الجزائرية في أكثر من مرة للاحتجاج لدى الإليزيه، على ما وصفته بـ”تجاوزات إعلامية ودبلوماسية فرنسية”، أفضت إلى سحب السفير الجزائري في باريس خلال الأسابيع الماضية.

ومنذ انتخاب الرئيس تبون، رئيسا للجزائر في ديسمبر الماضي، عرفت العلاقات الثنائية فتورا ملحوظا، حيث تعامل الإليزيه في البداية مع انتخابه ببرودة، ووصفه وزير الخارجية جون إيف لودريان، بـ”الأمر الواقع الذي يتوجب التعامل معه”، الأمر الذي قابلته السلطة الجزائرية الجديدة بتكثيف الانفتاح على قوى أخرى أشد منافسة للفرنسيين، كروسيا والصين.

ومع ذلك دفعت جائحة كورونا، والأوضاع الأمنية في المنطقة خاصة بليبيا ومالي، الرئيسان تبون وماكرون إلى فتح قنوات اتصال لتبادل وجهات النظر الأمنية والدبلوماسية، وحظي رفع الحظر على خروج الجيش الجزائري إلى خارج حدوده في مشروع الدستور المعروض للإثراء والنقاش ارتياحا لدى الفرنسيين، الذين يقودون الحرب على الجماعات الجهادية في الساحل الصحراوي وعموم القارة السمراء، وتمكنوا مؤخرا من القضاء على أمير تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي عبدالمالك درودقال (أبومصعب عبدالودود).

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي أطلق حملته الانتخابية من الجزائر، قد عبّر عن استعداده لـ”فتح صفحة جديدة في علاقات بلاده مع الجزائر بتسوية الملفات التاريخية العالقة”، ووصف الماضي الاستعماري بـ”الهمجي وغير الإنساني”، وهو الرئيس الفرنسي الوحيد الذي أطلق مفردة “الشهداء” على المقاومين والمحاربين الجزائريين.

وصرح في أكثر من مناسبة لوسائل الإعلام خلال السنوات الماضية، بأنه “فتح ملف الرفات مع نظرائه الجزائريين، وأن باريس ستعيد الجماجم إلى الجزائر في إطار خطة مشتركة بين البلدين”، ومع ذلك يبقى المسار طويلا في هذا المجال قياسا بالملفات العالقة الأخرى، كالأرشيف والتفجيرات النووية والجرائم الوحشية بين 1830 و1962، ومفقودي حرب التحرير (1954- 1962).

وعادت مسألة تجريم الاستعمار والتشديد على مطلب الاعتذار والاعتراف بقوة إلى الساحة السياسية في الجزائر، بعد إطلاق بعض نواب البرلمان لعريضة من أجل حيازة النصاب القانوني لإدراج قانون يجرم الاستعمار ردا على قانون “الإشادة بدور الجيش الفرنسي خارج حدوده ومهامه الحضارية في المستعمرات القديمة” الصادر عن البرلمان الفرنسي العام 2005. وإذ سبق للمشروع أن تعثر بإيعاز من سلطة الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، فإن الارتياح السائد في الجزائر بعد استعادة رفات المقاومين عشية الاحتفال بالذكرى الـ58 للاستقلال الوطني، يقابله قلق حول إمكانية تقديم الجزائر لتنازلات أخرى قد تكون صادمة، وتعيق مسار ما يعرف بـ”التحرر النهائي من الوصاية الفرنسية على البلاد”.

2