"عودة" رواية الحنين الذي يفشل في تجميل الماضي

يرى الكثير من الكتاب والفلاسفة أن الماضي زمن لا وجود له إلا في الذاكرة، فمنها نسترجعه ونتمثله ونجعله حيّا موجودا بيننا في الحاضر ونحمله معنا حيث ذهبنا وننتقي منه ما نتذكره، فيما يبقى جزء كبير من هذا الماضي غائبا في عالم النسيان. وبين هذا الماضي والحاضر لعبة الكتابة التي تجعل الزمنين ينصهران ويندمجان وينفتحان على بعضهما البعض، وهذا تماما ما فعلته رواية ألبرتو مانغويل “عودة”.
السبت 2016/07/16
العودة إلى الماضي

ذاعت شهرة الكاتب الأرجنتيني الأصل الفرنسي الجنسية ألبرتو مانغويل (الذي ولد في 1948 وأمضى معظم طفولته في بيونس آيرس) من خلال غرامه بالمكتبة والقراءة، وهو ما تبلوّر في ثلاثة كتب عن القراءة والمكتبة هي: “تاريخ القراءة” بترجمة سامي شمعون، و”المكتبة في الليل” بترجمة عباس المفرجي، و”يوميات القراءة: تأملات قارئ شغوف في عام من القراءة”، ما جعله يوصف بأنه “الرجل-المكتبة” بسبب اهتمامه الكبير بالكتب.

النبش في الذاكرة

يعود الكاتب ألبرتو مانغويل في رواية “عودة” الصادرة عن دار السّاقي وبترجمة يزن الحاج، إلى موطنه الأصلي بيونس آيرس بالأرجنتين مسترجعا سنوات الحكم الدكتاتوري والصراعات السياسية، عبر شخصية بطله نيستور إستيبان سامويل فابريس الذي يضطر للعودة فجأة في زيارة قصيرة، لحضور حفل زفاف ابنه من حبيبته مارتا في المعمدانيّة، لكن هذه العودة تنبش الماضي الذي توارى خلف بائع عاديات في روما. فيبدأ الراوي حكايته انطلاقا من لحظة العودة المفروضة على بطله فابريس إلى مدينته التي غادرها منذ ثلاثين عاما وأقسم لنفسه وهو يتنزّه في شوارع روما بأن مدينة طفولته “ستنتمي إلى الماضي من الآن”، حيث أنه يعود للوفاء بوعد قطعه على نفسه لحضور زفاف ابنه الذي لم يره أبدا ولم يرث سحر أمه مارتا ولا أي شيء منها بما في ذلك ذكاؤها وشعرها المميز.

ترتب على هذه العودة تركه للأشياء التي اعتاد عليها، فيهجر شقته الصغيرة ويهجر كذلك محلّه الصغير ويهجر روتين الإسبرتو الصباحي المعتاد وغذاءه الخفيف في المطعم عند الزاوية. وكلّ هذه التغيرات وما تبعها من مُعوِّقات الرحلة التي ظهر أولها في الفشل بالعثور على أماكن شاغرة في الدرجة الاقتصادية كما أخبره موظف مكتب السّفر، تكشف أبعادا داخليّة للشخصية الهاربة من المكان والمتعلقة بذكريات حبّ قديم وبعيد هناك.

الحكاية المروية تتألف من راو غائب يرصد رحلة العائد إلى مدينته في مزج بين المونولوج والحوارات والماضي والحاضر

يختلق الراوي لبطله بائع العاديات العائد إلى الماضي وذكرياته، الفرصة ليعيد الماضي الذي رحل عنه (أو يستحضره) ولكنه مازال في الذاكرة، فيتخذ من مدة الأربع ساعات وهي المهلة التي أعطاها له موظف الاستقبال في الفندق حتى يُجهِّز له الغرفة، فرصة للتجول في المدينة، وما إن يغادر الفندق حتى “يجرفه نهر من الناس إلى الأمام” استسلم له وشعر بالراحة والأمان.

ورويدا رويدا تأخذ الذاكرة طريقها إلى استعادة الماضي وأسباب الهروب من هذه المدينة في فترة الدكتاتورية والأحداث المؤسفة التي حدثت، فيتدخل عامل الصدفة الذي يعمل على الاستعادة والاستدعاء، فيستدعي أصدقاءه ويستعيد خذلانه لحبيبته مارتا. وحينها يطل الماضي بكل أوجاعه وآلامه لا عبر ذكريات ومنولوجات، وإنما في صورة أشخاص ارتبط بهم بعلاقات مختلفة، وباللقاءات التي جاءت مصادفة جميعها، فيبدأ بالنبش في الذاكرة.

مواجهة مؤلمة

تتألّف الحكاية المروية عبر راوٍ غائب يرصد رحلة العائد إلى مدينته، من مقطع واحد ممتدّ أشبه بلحظة بوْح يسعى من خلالها إلى مصالحة هذا الماضي، فنراه يمزج بين المونولوج الداخلي والحوارات الخارجية، مازجا بين الواقع حيث الحياة التي تركها في المدينة مازالت على حالها، بل ازدادت بؤسا وبين العالم الفانتازي حيث الرحلة المتخيّلة التي يصطحب فيها أستاذ التاريخ البروفيسور غروسمان الذي درس على يديه، في رحلة الأتوبيس إلى الأرض المجهولة، وهناك يلتقي بأصدقائه القدامى، بمن فيهم مارتا التي التقاها في الشارع من قبل ولم تتعرف عليه.

تتميز الرواية بالاختزال في كلّ شيء بدءا من عدد الصفحات الذي لم يتجاوز 113 صفحة، والشخصيات القليلة والبطل فابريس ومارتا الحبيبة المفقودة وأستاذ التاريخ وأصدقائه وليليانا وتونيو وبابلو، ولكن الغريب أن الابن القادم من أجل حضور حفل زفافه لم يظهر في الرواية مطلقا سوى باسمه.

الماضي والحاضر ينصهران وينفتحان على بعضهما البعض

المصادفات الغريبة تلاحقه لحظة وصوله إلى مدينته القديمة، فتتأخر حقيبته في الوصول من على الطائرة، وهو ما يجعله يقف منتظرا في طابور طويل ليصل إلى موظف الجوازات، ثم يفشل في العثور على موقف لسيارات التاكسي كما نبهه ابنه حتى لا يتعرّض لعملية سرقة محكمة، ثم فشل في العثور على الفندق الذي حجز فيه ابنه، ولقائه بالسّائق الأشبه بالمجنون، وهو ما يكشف عبر شخصيته التي لم تتجاوز المشهدين في الرواية حالة الفانتازيا وعالم اللامعقول الذي يسيطر على النص القصير، الأشبه بمقطع واحد خالٍ من التقسيمات الشكلية أو حتى الفواصل الداخلية. وفي هذا الجو الغريب والمشوش تبدأ الأحداث وجميعها لا يقل غرابة عن المصادفات التي وقعت للبطل، وهي الحيلة التي يعتمدها المؤلف لإظهار شخصيات الرواية التي يرتبط معها البطل بعلاقات، وتكشف عن أسباب الهروب من المدنية والتغيرات التي حدثت خلال فترة الغياب.

منذ لحظة خروجه من الطائرة وحتى خروجه إلى باب المطار ليستقل سيارة يتوجه بها إلى الفندق والبطل فابريس يسير بلا رغبة، وكأن الحوافز التي تدفعه إلى مواصلة العهد الذي قطعه على نفسه تتخلى عنه، ومع هذا يُجبر نفسه على مواصلة رحلة العودة.

وفي خضم هذه التداعيات يستحضر المظاهرات التي كانت عند أبواب الجامعة، وكيف أنه فقد مارتا فيها ثم فراره إلى روما بعد أن أدرك أنه وحيد، ويستطرد ليحكي عن وصوله إلى أوروبا وبداياته الصعبة وتدرّبه على يد التاجر الروماني العجوز الذي علّمه طقوس المهنة، ثم علاقته بفاليريا حتى انفصاله عنها.

وعلى الرغم من أن هروب نيستور فابريس من مدينته بيونس آيرس بالأرجنتين، كان لأسباب سياسية، إلا أنه لا يقف عندها صراحة، وإن كان يشير إليها في حديثه عن تخليه عن مارتا، التي جاءت عودته كنوع من الاعتذار لها. كما أن عودته إلى الماضي جعلته يُقرُّ بأن “الماضي ليس سوى ابتكار للذاكرة يتوق إلى الديمومة وأن نعتبره أمرا ثابتا.. يكون الماضي خلقا يخص أولئك الذين يروونه”، ثم “تستلزم العودة التكرار، والزمن لا يسمح بالتكرار”، وإن كان ولا بد فالحنين “هو جرّاح التجميل الأمهر”، ومع هذا فـ”ثمّة أشياء لا يمكن حتى للحنين أن يحسّنها”.

ولا يتخلى ألبرتو مانغويل عن اهتماماته بالقراءة والمكتبة، وهو ما يظهر هنا في مواضع شتى، وبصيغ مباشرة كما في حواره مع تونيو بقوله “ألا تزال مهتما بالكتب” كما في بحثه عن مكتبة أرسطو، ونصائحه بالقراءة داخل المتن. والحقيقة أن الكاتب يضعنا دون فلسفات في مواجهة بين الماضي والذاكرة وإن كانت مواجهة مؤلمة وقاسية للذاكرة.

17