عودة زواج "مِلك اليمين" تصيب المصريين بالهلع

زواج "مِلك اليمين"، صيغة بتمليك المرأة نفسها للرجل، دون شهود أو إثبات، حيث تقول المرأة للرجل “ملّكتُك نفسي بدلا من زوجتك نفسي”، فيرد الزوج “وأنا قبلت وكاتبتُك على سورة الإخلاص”، فإذا أرادت المرأة تطليق نفسها، فإنها تكتفي بتلاوة سورة الإخلاص، وتكون بذلك في حل من تلك الزيجة، وهو زواج حرام شرعا، باتفاق الكثير من الفقهاء وعلماء الدين.
الاثنين 2016/12/05
زواج "مِلك" اليمين انعكاس للانهيار الأسري

أظهرت إحصائية صادرة عن كاتب تسوية المنازعات الأسرية بمحاكم الأسرة في مصر، أن العام الحالي وحده، شهد وقوع 1067 حالة زواج "مِلك اليمين"، وأن 60 بالمئة من هذه الحالات جرت بين شباب وفتيات الجامعات، و30 بالمئة بين الإسلاميين، و10 بالمئة بين ممن يدّعون العلمانية والتحرر من القيود الدينية والمجتمعية.

أفادت الإحصائية الخطيرة، التي لم تنكرها محاكم الأسرة، بارتفاع وقائع زواج “ملك اليمين”، وتسببت في إصابة المجتمع المصري بالصدمة والهلع.

وأمام صرخات الزوجات، ولجوئهن إلى مكاتب تسوية النزاعات الأسرية، إما للشكوى من الأزواج وإما لإثبات النسب، اضطرت محاكم الأسرة إلى الإفصاح عن هذه الإحصائية، لتدق ناقوس الخطر من تنامي هذه الوقائع، وتحولها إلى ظاهرة تنتشر في المجتمع، أولى ضحاياها الفتيات والأطفال، الذين ينتجون عن هذا النوع من الزواج، إذا ما أنكر الزوج علاقته بالزوجة.

ذكرت الإحصائية أن 30 بالمئة من الزوجات، لجأن إلى محاكم الأسرة لإثبات الزواج، فيما لجأت 70 بالمئة منهن إلى مكاتب فض المنازعات الأسرية، لتضررهن من تلك الزيجات، وهروب الأزواج بعد فترة من العلاقة معهن.

الخطر الأكبر، أنه نتج عن زواج ملك اليمين، خلال العام الحالي فقط، 450 طفلا، يصارعون لإثبات نسبهم لآبائهم، وأن نسبة 90 بالمئة من الزوجات اللاتي وقعن في فخ تلك الزيجات، تعرضن للعنف الجسدي، وذلك ما تم إثباته من خلال دفاتر محاكم الأسرة ومحاضر أقسام الشرطة، وتراوحت فترات الزواج بين 6 أشهر كحد أدنى، و24 شهرا كحد أقصى.

كانت أول حالة زواج “ملك اليمين” في مصر، في السنوات الأخيرة، حدثت في عام 2012، وأثارت جدلا شديدا في البلاد، ما دعا علي جمعة، مفتي مصر آنذاك، إلى الافتاء بأن المرأة التي تأتي للرجل فتقول له “ملّكتك نفسي”، ومن ثم عاشرها معاشرة الأزواج، فهذا “زنا وحرام شرعا”، بينما وصف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الدعوة بأنها “ردة وعودة إلى الجاهلية ولا تعتبر زواجا”.

90 بالمئة من الزوجات اللاتي وقعن في فخ تلك الزيجات، تعرضن للعنف الجسدي

ومع ذلك، فإن دار الإفتاء ومجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، لم يحركا ساكنا أمام الإحصائية التي تحدثت عنها محاكم الأسرة بخصوص هذا النوع من الزواج، ما قد يعطي للمتعاطين معه شعورا بأنهم على حق، في ظل صمت ديني رسمي، ربما يكون سببه تخوف هذه المؤسسات من إعادة طرح الموضوع كقضية فقهية تثير البلبلة داخل المجتمع.

عندما تواصلت “العرب” مع بعض علماء الأزهر، رأوا أن تناول هذه القضية، أو إعادة طرحها والتصدي لها، يفتح الباب أمام المزيد من حالات زواج “ملك اليمين”، وأن إثارة الجدل حوله تؤدي إلى اختلاف الآراء الفقهية، ما قد يستغله بعض الشباب كبوابة للإقدام على هذا النوع من الزواج، بذريعة “أن المرء يستفتي قلبه إذا اختلف الفقهاء”.

لكن خبراء علم الاجتماع ذهبوا إلى أن الصمت الديني والمجتمعي والإعلامي، عن تناول وقائع زواج ملك اليمين، وتحريمها وتجريمها دون تردد، باعتبارها أحد أبواب انهيار المجتمع أخلاقيا ودينيا وتربويا، سوف يفتح المجال للمزيد من الحالات، تحت مبرر “الحب”، والظروف الاقتصادية الصعبة، وعدم القدرة على الزواج الشرعي جراء متطلباته الكثيرة والمكلفة.

وقال جمال حماد، أستاذ علم الاجتماع، بكلية الآداب جامعة المنوفية (شمال القاهرة)، “إن زواج ملك اليمين بحاجة عاجلة إلى تدخل ديني وأسري ومجتمعي، لوقف قواعد الاستسهال لدى الشباب، والتلوث الأخلاقي بالمجتمع، مع ضرورة أن تراقب الأسرة أبناءها جيدا، ويجب أن تكون للمؤسسات الدينية وقفة حاسمة مع الأمر”.

وأضاف لـ“العرب” أن الكثير من حالات هذا النوع من الزواج، تكون ناتجة عن “انهيار أسري” عند الشاب أو الفتاة بالأساس، ما يجعلهما يخرجان عن كل الأعراف والتقاليد، وينحرفان بميثاق ديني خاص بهما، يدفعهما إلى ارتكاب أفعال ضد كل ما هو ديني وأسري وأخلاقي.

وشدد على ضرورة تجديد الخطاب الديني، حتى لا يُساء تفسير آيات قرآنية وأحاديث نبوية شريفة، كانت تتحدث عن زواج “ملك اليمين”، وتخاطب الناس في مهد الإسلام، لكنها لم تعد تصلح للتطبيق في هذا الزمان، مع حتمية التوقف عن تناول القضايا الجنسية من منظور ديني، لا سيما من جانب بعض المنحرفين فكريا ودينيا.

ورأى علماء دين أن الترويج لمثل هذا الزواج، يحدث فتنة داخل أي مجتمع، والذين يؤمنون بـ“ملك اليمين” جهلاء، لأن المرأة ليست متاعا، أو سلعة للمتعة أو البيع أو التأجير، فالإسلام كرمها أعظم تكريم، وجعلها شريكة للرجل، وأكدوا أن المرأة التي توافق على ذلك، “مبتذلة”، وتبيع نفسها، والرجال الذين يتخيلون المرأة “أمَة”، لقضاء شهواتهم وغرائزهم، مخالفون لشرع الله.

وقال عبدالعزيز النجار، عضو لجنة الفتوى بالأزهر، إن زواج ملك اليمين “غير صحيح”، لأن الدين الإسلامي منع الرق والعبودية، مشيرا إلى أن الإسلام حرر المرأة من العبودية، بعد أن نالت جميع حقوقها، فكيف تُدخل نفسها إلى سجون العبودية من جديد؟

المشكلة الأكبر، بحسب النجار، أن الشباب الحالي لا يعرفون معنى “زواج اليمين”، والفتاة لا تدرك أن هذا الزواج سيجعلها “عبدة”، وأنه مخالف لجميع الشرائع السماوية، وأرجع أسباب انتشاره حاليا، إلى غياب الوعي والثقافة الدينية للشباب، وتعاملهم مع مواقع التواصل الاجتماعي بالسلب، والانخراط في ثقافات بعيدة عن المجتمع، واختزال أفكارهم في مجرد إشباع شهواتهم، في ظل عدم المعرفة والفهم للأحكام الفقهية.

ورفض النجار في تصريحات لـ”العرب”، مطالبة البعض بعدم التركيز على الوقائع التي كشفت عنها محاكم الأسرة، وشدد على ضرورة تناولها وتحليلها ومعرفة أسبابها ودوافعها، للوصول إلى حلول جذرية لها، سواء بتوضيح الأحكام الفقهية القاطعة من علماء مشهود لهم بالمصداقية، أو من خلال التوعية الأسرية والإعلامية.

21