عودة "سيد التابعين" في دراما غنائية متصوفة

مسرحية "كأنك تراه" تحمل رسالة محورية مبسطة فالممثلون والمنشدون والجمهور هم صورة مصغرة من المجتمع الذي يعاني أزمات حادة ومشكلات مستعصية.
الجمعة 2020/07/24
استعادة الروحانية الغائبة في العصر الحديث

من دواعي تميز “أبوالفنون” تعاطيه مع الدنيا بوصفها هي المسرح الحقيقي الكبير، فكل القضايا المجتمعية يمكن رصدها ومعالجتها فوق خشبة المسرح بمنظور جمالي وأخلاقي في آن، أملا في تجاوز الأوضاع السيئة إلى واقع أفضل يليق بكرامة الإنسان. وهو ما سعى إليه العرض المسرحي المصري “كأنكَ تراه”.

في إطار برنامج “عودة الروح” الذي انطلق في القاهرة لمواصلة النشاط المسرحي بعد فترة التوقف بسبب جائحة كورونا، شهد مركز الهناجر للفنون بدار الأوبرا انطلاق مسرحية “كأنكَ تراه” التي تواجه مشكلات المجتمع المصري المأزوم من خلال لعبة زمنية تعتمد على استدعاء شخصية أويس القرني “سيد التابعين”.

 تقدّم هذه الشخصية شهادتها على العصر الحديث، منتقدة أحواله المتردية، ومعرّية عوراته ومساوئه. وتمكنت الدراما الغنائية التاريخية من تحقيق المراد منها فكريا، لكنها عانت من ضعف الأبجديات الفنية والتقنية.

وفي سبيل وصوله إلى هدفه المنشود قد يستخدم المسرح الأقنعة، ويلجأ إلى التاريخ، لينتقد من خلال الترميز والإسقاط كل مظاهر التراجع والإخفاق والإحباط التي يكابدها البشر في حاضرهم الكابوسي المفزع، ساعيا إلى تقديم وصفات علاجية للأزمات الراهنة. وجاء هذا العرض ليؤكد إمكانية التصدي للأمور السلبية في المجتمع من خلال قالب فني شبابي حركي، وإن كانت المباشرة كبّلت العرض بعض الشيء، وحدّت من طموحاته وآماله في تحقيق الأثر الباقي.

كلنا في الهم شرق

دراما غنائية تاريخية تمكنت من تحقيق المراد منها فكريا
دراما غنائية تاريخية تمكنت من تحقيق المراد منها فكريا

ينطلق عرض “كأنك تراه”، لفرقة “الطليعة” التابعة للبيت الفني للمسرح، من تقنية الإيهام، فقبل دخول المشاهدين إلى المكان المخصص للعرض، يجدون أنفسهم في قلب الحدث، إذ يحيط بهم الممثلون والمنشدون من كل جانب، وتنطلق أناشيد المديح النبوي والابتهالات الدينية الممهدة لظهور بطل المسرحية “التابعيّ أويس القرني” بملابس الزهّاد والمتصوفين، لينخرط في تفاصيل المجتمع المصري، وإشكاليات العصر وملابساته.

هذا الإيهام، أو كسر الحاجز الافتراضي بين الممثلين والجمهور، وبين الماضي والحاضر، يمتد عندما يدخل المتفرجون إلى القاعة، حيث يجدون أنفسهم أيضا مشاركين متفاعلين، فالمقاعد مصفوفة من كل جانب حول المساحة الصغيرة التي تدور فيها الأحداث الدرامية، والأغنيات الإنشادية الاستعراضية، والممثلون يتبادلون الرسائل والنقاشات مع الجمهور، وكأن المَشاهد لا تتم والأفكار لا تكتمل إلا من خلال التلقي وردود الأفعال، وتقوم إحدى المنشدات بتوزيع التمر على الحاضرين بوصفهم من أعضاء فريق الإنشاد مثلا أو ضيوف حلقة الذكر، ليسود المكانَ طقسٌ من الحميمية والتوحد.

يحمل العرض رسالة محورية مبسطة، هي أن الجميع منخرطون في محنة حقيقية (كلنا في الهمّ شرق)، فالممثلون والمنشدون والجمهور هم صورة مصغرة من المجتمع الذي يعاني أزمات حادة ومشكلات مستعصية.

"سيد التابعين" شخصية تقدّم شهادتها على العصر الحديث، منتقدة أحواله المتردية، ومعرّية عوراته ومساوئه

هذه الأزمات والمشكلات والظواهر السلبية يجب رصدها أولا بدقة، وتفهمها، وتشريحها، ومن ثم محاولة علاجها، لينجو المجتمع من ويلاتها. ويتوسل العرض شخصية التابعيّ “أويس القرني” التاريخية، لتتكشف ملامح المأساة وتعقدات الواقع من خلال المفارقات والصدامات بينه وبين لغة العصر التي لا يتقنها، وتأتي الحلول من خلاله دائما، بوصفه رمزا للصلاح والإصلاح، يرشد إلى الخلاص والتطهر والتمسك بأخلاقيات النبي محمد والسعي إلى تمثله وإطاعته “كأنكَ تراه”، وفق عنوان المسرحية.

جاء انتقاء المؤلفة نسمة سمير للتابعيّ أويس القرني (594 – 658م)، دون غيره، كشخصية محورية للمسرحية موفقا، لأكثر من سبب، فهو الأقرب إلى عنوان المسرحية، إذ لم ير الرسول محمدا أبدا رغم أنه أدرك زمنه، ومع ذلك أطاعه “كأنه يراه”، وشهد له الرسول بالصلاح والإيمان والبرّ، بما منحه لقب “خير التابعين”.

يبدو أويس، الذي ولد في اليمن واستشهد في موقعة صفين ودفن في الرقة بسوريا، مقرّبا من المصريين، اسما وسيرة، وقد حرّف المصريون اسمه إلى عويس الدارج في البلاد، وهو رمز للزهد والتعفف والنقاء الروحاني، وهي الصفات التي يعوّل عليها العرض للتصدي لآفات المجتمع الحديث، الموغل في التوحش المادي، والهوس التكنولوجي، بما يشكل خطورة بالغة على مقوّمات الحياة السليمة، خصوصا لدى الشباب المفعمين بالطاقة والهمة.

محطات التغريب

صدامات متناثرة بين الشيخ أويس وأبناء العصر الحديث
صدامات متناثرة بين الشيخ أويس وأبناء العصر الحديث

يقدّم العرض مجموعة من المشاهد والمواقف المتلاحقة، المنسجمة والمتآلفة دون ترابط جوهري أو تصاعد درامي محبوك، لتكون بمثابة محطات التغريب التي يمر بها الشباب على طول الخط، ويتعثر فيها المجتمع بمختلف فئاته.

تستعرض المسرحية، التي أخرجها ماهر محمود ولعب بطولتها محمد يونس وسامح فكري ومصطفى سامي وعلاء النقيب ومجموعة من المنشدين، عبر المفارقات والصدامات المتناثرة بين الشيخ أويس وأبناء العصر الحديث، جملة من الأزمات والمشكلات والأمور السلبية في المجتمع، على رأسها الاغتراب بمعنى الارتحال عن الوطن والهجرة غير الشرعية، والاغتراب النفسي بمعنى العزلة والانفصام والتشرنق في العوالم الافتراضية والهوس بالسيلفي والسوشيال ميديا والتكنولوجيا الباردة المقبضة.

يتقصى العرض منابع التطرف والإرهاب في المجتمع، من خلال ميراث التعصب بين المسلمين والأقباط الذي لا تمكن مداراته بالأحضان الزائفة، وتنامي التيارات الدينية المتشددة المتعاطية مع العنف والسلاح لفرض آرائها وإرادتها بالقوة، والدور الغائب للأسرة في تقويم أبنائها بسبب الانشغال عنهم بالأعباء المادية.

وترسم المسرحية كذلك نماذج للهيمنة الرأسمالية في المجتمع الطبقي، من خلال شخصية كريم أدريانو رجل الأعمال الفاسد، المتحالف مع السلطة، وصاحب النفوذ الكبير بسبب حضوره السياسي والبرلماني المبني على الدعاية الإعلامية الكاذبة، وتصوّر المسرحية تداعيات المناخ العام السيء وتأثيراته على العادات والتقاليد التي اهتزت كثيرا، فحلت مفاهيم الاستئساد والبلطجة والعنصرية والتفسخ الاجتماعي، وانتشرت البطالة والرشوة والآفات الأخلاقية، وتعقدت أمور الحياة ومظاهرها الطبيعية كالزواج والعمل والاستقرار والأمان بسبب السلوكيات الخاطئة والمنحرفة.

العرض يقدّم مجموعة من المشاهد والمواقف المتلاحقة والمتآلفة دون ترابط جوهري أو تصاعد درامي محبوك

أبدع الممثلون، على رأسهم محمد يونس في دور أويس، في تلوين شخصياتهم بالملامح الجسدية والنفسية المطلوبة في المشاهد المتنوعة، وتخللت الفكاهة أجواء العرض من خلال شخصية نهى، الفتاة المهووسة بالتقاط صور سيلفي حتى في حضرة القنبلة التي أعلن عنها الإرهابي، كذلك شخصية الشرطي الطيب الساذج أحمد عبدالهادي، الذي يحب الفن ويرتبط مع أحد المخرجين الوثائقيين بعلاقة طيبة، لكنه يتراجع عن هذه الصداقة دون مبرر لمجرد أنه اكتشف أن المخرج مسيحي، ومن قبلها ظنه إرهابيا هاربا، ويتشكك الشرطي في الشيخ أويس، إلى أن يظهر الإرهابي الحقيقي الذي كان يتخفى في شخصية بائع المسابح، ويهدد الجميع بمسدسه، زاعما أنه سيفجر المكان بقنبلة، وهنا يتدخل الشيخ أويس لهدايته.

خففت الأغنيات والأناشيد والمدائح النبوية الإيقاع الروتيني للعرض، وملأت الثغرات والفجوات بين المشاهد القصيرة المتتالية، المفتقرة إلى العمق الدرامي التحليلي، كما أضافت الحركة والحيوية إلى الأداء، خصوصا أنها جاءت كلها عرضا مباشرا (لايف) بمصاحبة الآلات الموسيقية الحساسة “النايات والوتريات”، والتوزيعات المبهرة.

يُحسب للعرض توظيفه المديح النبوي في ثوب جديد، وبأصوات متمكنة، وهو قالب تراثي ينبني على تعداد صفات الرسول محمد الأخلاقية والخلقية والتشوق لرؤيته وزيارته واستحضار معجزاته وسرد سيرته شعرا ووصفا، وجاءت المدائح مشتبكة مع المشاهد والمواقف الدرامية التي يشكل كل واحد منها عقدة ما، لا حل لها سوى تأسّي بطلها بالرسول الكريم “كأنه يراه”.

استهلك العرض ذاته في تخليق الأفكار والدعوات الإصلاحية والنزعات الإرشادية بهدف حل أزمات المجتمع، وجاء ذلك على حساب التعمق الدرامي والإنساني والغوص في أعماق الشخصيات، الأمر الذي بلغ حد المباشرة والتلقين في الكثير من المواضع، بما قلّص طموحات العرض وآماله في تأصيل أثر حقيقي إيجابي يبقى في وجدان المشاهدين الذين يميلون بطبعهم أكثر إلى الرسائل التخييلية المثيرة وغير المباشرة.

14