عودة سيناريو غزة أولا وأخيرا

قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس وضع حجرا ثقيلا أمام ما يوصف بـ"صفقة القرن"، التي لم تجد دعما ملحوظا من جانب دول كثيرة.
الاثنين 2018/05/21
تحرك سياسي فاشل

عندما انطلقت عملية التسوية بالعاصمة الإسبانية مدريد في أكتوبر 1991، تفاءل البعض بشأن حل القضية الفلسطينية سياسيا. وبعد نحو عامين تم توقيع اتفاق أوسلو وانخفض سقف الطموحات. توالى التراجع مع تدشين اتفاق “غزة أريحا أولا” لمنح الفلسطينيين حكما ذاتيا في قطاع غزة ومنطقة أريحا بالضفة الغربية.

النتيجة التي انتهت إليها الاتفاقيات التي جرى التوصل إليها بعد مدريد، أدت إلى الوضع المعقد حاليا. وضع تحيطه ثقوب من كل جانب، مكّن إسرائيل من فرض المزيد من الهيمنة بذريعة الرغبة في السلام.

مسيرات العودة وما صاحبها من وقوع ضحايا فلسطينيين، جذبت تعاطفا دوليا مع الأوضاع البائسة في غزة. بدأت بعض الدوائر الغربية تتحرك لحفظ ماء الوجه. وجدت في الجانب الإنساني مدخلا يعوض الإخفاقات السياسية طوال السنوات الماضية. تواترت أحاديث متناثرة حيال ضرورة تخفيف حدة المأساة التي يعيشها سكان غزة، وكأن العالم بحاجة إلى سقوط العشرات من الضحايا الجدد ليخرج عن صمته.

التحركات السياسية التي قامت بها الولايات المتحدة فشلت في الحصول على تأييد إقليمي ودولي ظاهر. قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس وضع حجرا ثقيلا أمام ما يوصف بـ“صفقة القرن”، التي لم تجد دعما ملحوظا من جانب دول كثيرة. وربما تكون دفنت مع حفل افتتاح السفارة في 14 مايو الجاري.

التلميحات الإيجابية التي جاءت من فرنسا وروسيا ومصر وغيرها، لتحريك الجمود الذي تسبب فيه القرار الأميركي، لم تفلح في الحصول على مؤيدين حقيقيين. اشتعال الأوضاع في غزة، بعد انطلاق المسيرات لم يشجع القوى المعنية على إطلاق مبادرات سياسية. الجميع ارتدى ثوب رجل الإطفاء المعني بعدم زيادة الحريق قبل إخماد النيران التي تحاول إسرائيل وحماس وإيران وقطر وتركيا توظيفها، ومحاولة منع امتداداتها الإقليمية.

المدخل السياسي للحل فقد الكثير من رونقه في ظل الانقسام الخطير بين السلطة الفلسطينية وحماس، ومنح الفرصة للمدخل الإنساني. الأولى ضاعفت بتصرفاتها الإدارية معاناة غزة لإجبار الحركة على تسليم مقاليد الأمور في القطاع. والثانية وجدت في التصعيد مع فتح وإسرائيل فرصة لزيادة شعبيتها، والإيحاء بأنها الرقم الصعب والوحيد في المعادلة الفلسطينية، وفي النهاية التنصل من التفاهمات التي تلزمها بالتنازل عن إدارة القطاع بعد عشر سنوات من إحكام السيطرة عليه.

تعترف قيادات حماس في الجلسات العلنية أنها ترغب في التفاهم مع فتح، وتريد إعادة اللحمة الفلسطينية، وعلى استعداد لتقديم تنازلات كبيرة لتمكين السلطة الوطنية من ممارسة دورها في الضفة الغربية وغزة، مقابل حل الأزمة الاقتصادية الخانقة.

في الجلسات المغلقة والبعيدة عن وسائل الإعلام، تعترف القيادات ذاتها أنها لن تفرط في القطاع. سيطرتها عليه ضمانة لاستمرار قوتها المادية والمعنوية، والتخلي عنه يعني التخلي عن “سلاح المقاومة” الذي جرى تكديسه خلال السنوات الماضية.

قيادات الحركة، تدرك أن غزة ملعونة في التوراة، وغالبية جنرالات إسرائيل يرونها عديمة الأهمية. بعضهم تمنوا أن يبتلعها البحر. التاريخ يؤكد أن قادة إسرائيل حاولوا التخلص من مسؤوليتها ووضعها على عاتق مصر قبل عقود طويلة.

التطورات الجارية، من المأساة المتفاقمة، وتعرض إسرائيل لانتقادات دولية بسبب حصارها وتصرفاتها الإجرامية مع سكان القطاع، والخلافات الفلسطينية المحتدمة، والتعقيدات الراهنة في الضفة الغربية، كلها تصب في البحث عن حل إنساني- سياسي خاص بغزة. حل يعيد سيناريو غزة أولا، ومن دون أريحا هذه المرة.

الظروف الداعمة لهذا الخيار كثيرة. حماس تتمنى أن تكرس وجودها في غزة، وتتنصل من الضغط عليها بحجة وحدة الأراضي الفلسطينية، لأن لديها قناعة أيديولوجية راسخة، بأن إحكام السيطرة على كيلومتر واحد الآن، أفضل من السيطرة البعيدة على أرض فلسطين، فما بالنا بـ360 كيلو مترا مربعا هي مساحة قطاع غزة؟

الرؤية العقائدية، لا تعني غزة وكفى، بل اتخاذها قاعدة للانطلاق مستقبلا لاسترداد فلسطين التاريخية. قالها أحد قادة حماس (محمود الزهار) منذ سيطرة الحركة على القطاع، “لماذا تستعجلون تحرير فلسطين، فقد احتلت فرنسا الجزائر نحو 132 عاما ثم خرجت؟”.

التفكير بهذه الطريقة، لا يراعي عن عمد الفروق الجوهرية بين الاستعمار الفرنسي للجزائر والاستيطان الإسرائيلي في فلسطين، لأنه (التفكير) وليد قناعة أيديولوجية في النصر الغيبي القادم. التسليم بهذه المسألة في الوقت الحالي لا يزال راسخا، ويؤكد بقاء الأوضاع على ما هي عليه لأجل غير مسمى. إسرائيل تقضم من الأرض الفلسطينية بالضفة الغربية، وحماس تحكم سيطرتها على قطاع غزة.

المعادلة السابقة، لم تأت في اتفاقيات مكتوبة، لكنها ضمنيا تحولت إلى واقع ملموس، يلقى دعما غير مباشر من جهات كثيرة. وكلما اقتربت المسافات بين حركتي فتح وحماس، افتعلت إحداهما، عن جهل أو عمد، تصرفا يؤدي إلى استمرار الفجوة، دون أن تتكلف إسرائيل عناء كبيرا في ممارسة ألاعيبها السياسية والعسكرية.

غالبية من يتعاملون مع القضية الفلسطينية، وصلوا إلى اقتناع بصعوبة التسوية العادلة، لأن ميزان القوى يميل بقسوة ناحية إسرائيل. المبادرات التي يتم اقتراحها تراعي هذا التفوق. الأطراف الغربية تقترح أفكارا تعتقد أنها عملية وداعمة لموقف إسرائيل. الأخيرة لا تقبل بها. لماذا تقدم ما تعتبره تنازلا، طالما لا توجد مبررات قوية تجبرها على لذلك؟

الأطراف العربية، على يقين بتفوق إسرائيل الكاسح، وعلى قناعة تامة بعدم قدرة الجامعة العربية على عمل شيء يجعل الخلل الراهن يميل ضد إسرائيل. الجديد أن الكثير من الدول العربية لم تعد ترى فيها عدوا حاليا. القوى الفلسطينية، تريد كل منها أن تكون القائد والمسيطر على مفاصل القرارات. النتيجة تقطيع الأوصال أصبح حلا مرضيا للغرب والعرب وإسرائيل والفلسطينيين. كل طرف يحقق ما يريده مرحليا.

انخفاض سقف الطموحات له أسبابه العملية. العودة إلى سيناريو غزة أولا في السياقات الفلسطينية والعربية والدولية، بات مفهوما، وسوف يجد دعما كبيرا خلال الفترة المقبلة. حماس تريد أن تكون سيطرتها على القطاع مشفوعة بدعم إقليمي ودولي، تتخلص من الحصار وتتدفق عليها المساعدات بصورة قانونية، وتنخرط في عـلاقات سياسيـة طبيعية مع المجتمع الدولي.

المشكلة أن المقابل الذي سوف تدفعه الحركة قد يكون مكلفا على المدى البعيد. لا بدّ أن تدفع ثمنا مقابل المزايا الاقتصادية التي يمكن أن تحصل عليها. فتح قنوات الاتصال مع غزة، برا وبحرا وجوا، سيكون بضوابط تحول دون تلقي السلاح وكل ما من شأنه يدخل في صناعته. تتحلى الحركة بالحداثة وتتنصل من فكرة الأممية، وفكرة الجهاد برمته، دون أن تتخلى عن فكرتها الإسلامية على الطريقة الغربية.

سياسي فلسطيني كبير، كان قريبا من الرئيس الراحل ياسر عرفات، أكد أن أبوعمار رفض سيناريو غزة، وأصر على أن تلحق به أريحا، وهي منطقة صغيرة، كي يوجد رابطا ماديا بين الضفة والقطاع، يمنع سيناريو الفصل التام.

القيادي، كشف في لقاء شخصي معه قبل أيام، أن خيار غزة أولا يطل برأسه حاليا. حماس تدفع باتجاهه بقوة وهي تدري، لأنه يحقق لها ما عجزت عن الوصول إليه طوال عشر سنوات من سيطرة معترف بها دوليا، وتخفيف حدة المشكلات الاقتصادية، والحصول على مشروعية جديدة، وقبول دول كثيرة بها، والتخلص من عبء الارتباط بقوى إسلامية متطرفة.

الأزمة في نظر السياسي المخضرم الذي يعرف دهاليز غزة جيدا، أن التيار المتشدد تغوّل في القطاع ولم يعد يستجيب لضغوط حماس. كما أن الانقسامات التي بدأت تنخر جسد الحركة تجعل من فكرة صمودها أمام سيناريو غزة أولا عملية صعبة التنفيذ. ناهيك عن الخدعة الرائجة بأن حماس تسيطر تماما على مقاليد الأمور في القطاع. هناك قوى فلسطينية لها حضور لا يقل عن حماس. لذلك لن يكون المدخل الإنساني مقدمة لغزة أولا وأخيرا. هذا خيار ينتبه له الكثير من الوطنيين، تحسبا من تداعياته. وفرص تمريره تستوجب قتل جميع الشباب، وهم الجزء الحي في القوة الفلسطينية.

9