عودة قطر إلى سربها الخليجي رغم أنف الإخوان

الثلاثاء 2014/04/22

الترحيب الخليجي الحار على المستوى الشعبي بالاتفاق الخليجي، الذي تم يوم الخميس الماضي، يعني أن الخليجيين يريدون، من جهة، أن يروا قطر تعود إلى سربها التاريخي والحقيقي كدولة فاعلة ومؤثرة إيجابيا في مسيرة دول مجلس التعاون، ويريدون، من جهة أخرى، أن يروا منشار الإخوان وقد كف عن محاولات تقطيع السفينة الخليجية الواحدة.

ولذلك ذَكّرت العديد من صحف الخليج، بمناسبة حدوث هذا الاتفاق المبني على اتفاقية سابقة وقعت في شهر نوفمبر من العام الماضي، القطريين بما جرى وقت تعرض الإخواني يوسف القرضاوي من منبره في قطر بالإهانة للإمارات حين وصفها بأنها ليست دول إسلامية بما فيه الكفاية، مسجلا بذلك موقفا سياسيا واضحا من دعم الإمارات لثورة 30 يونيو التي قضت نهائيا على حكم ووجود جماعة الإخوان في مصر.

وقتها، أي حين أطلق القرضاوي ذلك التصريح (السياسي)، أراد الإماراتيون أن يحموا السفينة الخليجية من شره وشر أمثاله، فأعطوا تصريحات واضحة وهادئة جدا، كان أهمها تصريح ولي عهد أبوظبي، الشيخ محمد بن زايد في فبراير الماضي، الذي قال فيه «إن قطر إخواننا وأهلنا، وقطر جزء من مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ولديّ ثقة كبيرة بالشيخ تميم في أنه يرى أن مصلحة قطر من مصلحة دول مجلس التعاون الخليجي».

هذا التصريح وغيره من التصريحات والمقالات الإماراتية التي نشرت في حينه وأرادت أن تقطع الطريق على الفتنة الإخوانية، لم يفهمها القطريون بالشكل الذي تمنى الإماراتيون والخليجيون أن يفهموها عليه، أو على أقل تقدير أساءوا فهمها. ولم تبدر منهم أية بادرة لإيقاف مسلسل الإيقاع بالخليجيين الذي يتزعمه شيخ الفتنة القرضاوي، الذي واصل، بعد ذلك، خطابه التحريضي على الإمارات والسعودية بالذات، من غير أن تطمئن دول الخليج الأخرى إلى ما يجهزه لها من الاتهامات والإهانات بقدر ما تقترب أو تبتعد عن الأحداث الجديدة في مصر.

تلا ذلك وساطة كويتية جادة وحثيثة لتقريب وجهات النظر، وإقناع القطريين أنهم يلعبون بالنار عند حدود جيرانهم وأشقائهم، وأنهم يدفعون بهؤلاء الأشقاء إلى حافة اليأس من عدم اتخاذ القطريين موقفا محددا ومسؤولا تجاه التهديدات السياسية والأمنية التي تطال دول الخليج من داخلها وعلى أكثر من جبهة على حدودها، لكن القطريين تعاملوا مع الوساطة الكويتية باللعب على حبال الوعود الذائبة التي لم يصدقها الواقع القطري نظرا لإصرارها على الاحتفاظ بالرموز الإخوانية التي تهاجم أنظمة الحكم في السعودية والإمارات، وعلى أن تبقى ملجأ وساحة مفتوحة تتزاحم فيها مكبرات الصوت والصورة لهذه الرموز.

ونتيجة لذلك حدث ما اعتبر سابقة في تاريخ علاقات دول مجلس التعاون حين سحبت السعودية والإمارات والبحرين أوائل شهر مارس الماضي سفراءها من الدوحة، في موقف وُصف، خليجيا وعربيا، بأنه أول الحلول الصعبة لإفهام القطريين بأن القلق الخليجي من التصرفات القطرية قلق حقيقي.

ووقتها كتبتُ بأن من المؤكد أنه لا الحرس القديم ولا الحكم الجديد في قطر توقعوا أن يصل الأمر بدول الخليج إلى سحب السفراء مع احتمال أن تصعد هذه الدول إلى أكثر من ذلك. وقلت إن القطريين راهنوا في استبعاد هذا التصعيد على صبر دول الخليج طوال ما يقرب من عشرين سنة على تغريد قطر خارج السرب وإساءاتها المتكررة إلى دولهم سياسيا وإعلاميا، وبأن دول الخليج بدلا من أن تقدم لها قطر دواعي الاطمئنان إلى نواياها وتصرفاتها، استجابة للوساطة الكويتية وغيرها من الوساطات، شعرت هذه الدول بالاستهانة القطرية بقلقها على أمنها الداخلي، حين صرح وزير الخارجية القطري خالد العطية مطلع شهر فبراير الماضي بأن ما قيل على لسان يوسف القرضاوي حول الإمارات لا يعبر عن السياسة الخارجية لدولة قطر. وكان السؤال الوحيد وقتها هو كيف يمكن للإماراتيين والخليجيين أن يستوعبوا الفصل بين السياسة الخارجية القطرية وما يطلقه زعيم ومفتي الإخوان ورموزهم في قطر من تصريحات علنية مسيئة لحكام دول الخليج وشعوبها، بينما لم تتخذ الحكومة القطرية إزاء هذه التصريحات أي موقف؟

وفي خاتمة تلك المقالة قلت أن أمام القطريين، بعد حادثة سحب السفراء، خيارين لا ثالث لهما: إما التمسك بالإخوان الإرهابيين الذين يهددون مصالحها ومصالح أشقائها في مجلس التعاون. وإما، وهذا ما نأمله، العودة الحكيمة والصادقة إلى حضنها الخليجي المحب، الذي يريد أن يراها على الدوام عزيزة مستقرة، تسهم في بناء المنطقة وأمنها وتقدم أبنائها.

وبعودتها الجديدة تكون قطر اختارت الحكمة وحضنها الخليجي رغم أنف الإخوان الذين يحاصرون قرارها السياسي لحساب أهدافهم. لكن يبدو أن علينا الانتظار لنعرف جدية هذا الاختيار ونرى تطبيقاته على الأرض بعد أن جربنا اختيارات مماثلة لم تنجح سابقا. وهذا ما أصر عليه بعض المراقبين الخليجيين إثر صدور الإعلان عن الاتفاق الخليجي الأخير، إذ أرسلت إشارات خليجية متعددة بضرورة التقيد ببنود هذا الاتفاق، باعتبار أن الكرة، مرة أخرى، عادت إلى الملعب القطري حيث ينتظر إبداء نوع من الالتزام وتسجيل موقف واضح من بعض الملفات التي لا تقلق دول الخليج فحسب بل تشكل قلقا وضعفا للعمق العربي الذي تشكل مصر، المستهدفة من قطر والإخوان منذ 30 يونيو، مركزه وقوته.

وما يجعلنا ننتظر الجدية القطرية في تنفيذ ما اتفق عليه مرتين إلى الآن، هو ما واجه به بعض المنحازين لجماعة الإخوان الاتفاق الأخير عندما قللوا من آثاره على المسألة القطرية المصرية أو على وجود أعضاء من جماعة الإخوان في قطر، بالرغم من معرفتنا أنّ من بين مطالب السعودية والبحرين والإمارات وقف أي دعم سياسي أو مالي قطري لجماعة الإخوان.

ولذلك يراقب الخليجيون الآن طريقة تناول قناة الجزيرة للشأن المصري، ومغادرة أو بقاء عناصر الإخوان وعناصر سياسية مناوئة لأنظمة الخليج في قطر، فإما أن تتبدل السياسة القطرية برمتها وفيما يخص كل الملفات التي تقلق الخليجيين وإما أن يبقى السفراء في دولهم ونعود إلى مربع الخلاف الأول وهو ما لا نرجوه.


كاتب سعودي

8