عودة لبنان إلى الساحة الدولية لم تفك عزلته بسبب حزب الله

استطاع لبنان تجاوز الفراغ السياسي الذي عانى منه على مدى سنتين بانتخاب ميشال عون رئيسا للبلاد ومكنته هذه الخطوة من عودته إلى الحراك الدولي من خلال نسق دبلوماسي نشط في الآونة الأخيرة. كما أدرك لبنان عقب ما شهده من مصاعب سياسية وأمنية واقتصادية أن لا مصلحة في المزيد من الانسياق نحو دائرة التأثير الإيراني من خلال دور حزب الله في المشهد السياسي اللبناني وهو ما دفع الرئيس المنتخب إلى التوجه إلى السعودية باعتبارها بوابة عودة بيروت إلى الحاضنة العربية والدولية.
الجمعة 2017/01/27
العودة من بوابة الرياض

بيروت - شهد لبنان خلال الشهور الثلاثة الماضية حراكا دبلوماسيا حمل إلى بيروت عددا من الوزراء والموفدين العرب والأجانب منذ الإعلان عن التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة.

واستقبل لبنان منذ انتخاب عون رئيسا مسؤولين عربا وأجانب أبرزهم الأمين العام للجامعة العربية، أحمد أبوالغيط، وممثلة السياسة الخارجية والأمن بالاتحاد الأوروبي فيدريكا موغريني، ووزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، والمصري سامح شكري، والعراقي إبراهيم الجعفري، والقطري محمد بن عبدالرحمن، والفرنسي جان مارك أيرولت، والإيراني محمد جواد ظريف، والألماني فرانك فالتر شتاينماير.

كما توافد على بيروت الأمير خالد الفيصل موفد العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، ومساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون السياسة العسكرية تينا كيداناو.

واستهل عون أول زيارة خارجية له بعد انتخابه رئيسا إلى السعودية حيث فتح صفحة جديدة في العلاقات اللبنانية السعودية بعد توتر دام قرابة السنة، وانتقل بعدها إلى قطر.

ولتفسير المشهد السياسي اعتبرت قراءات سياسية أن لبنان عاد إلى الخريطة الدولية والعربية بعد إنهاء الفراغ الرئاسي، وتقاطر الوفود العربية والدولية إلى بيروت وزيارات الرئيس الخارجية إلى السعودية وقطر، وتلقيه دعوات إلى زيارة العديد من الدول الوازنة.

وكان المشهد الرسمي للوفود وزيارات الرئيس دليلا على نضوج واقع سياسي واستثماري وسياحي إيجابي في لبنان، في حين أنه لم يتبلور حتى الساعة أي اتجاه فعلي عربي ودولي، يصب في خدمة إنماء السياحة والاقتصاد في لبنان.

كانت التوقعات تشير إلى أن زيارة الرئيس ميشال عون إلى السعودية ستدفعها مباشرة إلى الإفراج عن هبتها المجمدة إلى القوى الأمنية اللبنانية ولكن ذلك لم يحدث، بل تم الحديث عن قبول السعودية بفتح مسار يهدف إلى إعادة تفعيل العمل بها، يشترط هذا المسار توفر ظروف أمنية وسياسية ولم يظهر لبنان القدرة على الإيفاء بها وخصوصا في ما يخص حزب الله الذي يعزز حضوره بالسلاح وبدعم إيراني باعتباره أذرع طهران في المنطقة، وما يجسد هذا الدعم من خطر على الأمن القومي العربي عامة. وكانت السعودية خيبت توقعات حزب الله بعدم تجديد الهبة المالية التي تمنحها للبنان، وأعطت فرصة مشروطة للرئيس اللبناني ميشال عون لإثبات حسن النوايا خلال زيارة وصفها مراقبون بإحياء العلاقات بين البلدين.

يقول البعض إن لبنان فك عزلته، قد يكون الأمر صحيحا على الصعيد الرسمي، ولكن يبدو أن هذه العزلة تعمقت مع سيطرة حزب الله الواضحة على المشهد السياسي

وبعودة الوفود إلى لبنان تستكشف الأوضاع فيه عن قرب، وجل هذه الزيارات لم تخرج عن الإطار البروتوكولي الرسمي ودواعي التهنئة، فلم تحمل الوفود مشاريع جدية في ما يخص القضايا الكبرى.

كذلك لا يزال البلد عاجزا عن إنتاج بيئة صالحة للاستثمار أو لعودة السياحة إذ لا تزال أزمة النفايات دون حلول، كما تهدد أزمة طيور النورس سلامة الطيران في مطار بيروت، ما يجعل لبنان وجهة غير آمنة للسواح ورجال الأعمال.

ربما يقول البعض إن لبنان فك عزلته. قد يكون الأمر صحيحا على الصعيد الرسمي، ولكن يبدو أن هذه العزلة تعمقت مع سيطرة حزب الله الواضحة على المشهد السياسي في البلد من خلال الرئيس المحسوب عليه.

تضاف إلى ذلك سيطرة الحزب على المشهد الحكومي، وإعاقته إقرار قانون انتخابي جديد في مجلس النواب ما لم يكن متناسبا مع مصالحه، ما يعني أن مرحلة ما بعد الفراغ ربما تكون استكمالا للفراغ بأشكال أخرى.

ما بعد الفراغ السياسي

أشار النائب عن حزب الكتائب اللبنانية فادي الهبر إلى أن الحديث عن فترة ما بعد إنهاء الفراغ الرئاسي لا يجب أن يهمل الظروف التي أنتجت الرئاسة بموجبها، فقد كان هناك خلل كبير في موضوع إنهاء الفراغ الرئاسي حيث من المفروض أن يكون الانتخاب تلقائيا ولكن ذلك لم يحصل بل تم إنهاء الفراغ بعد القبول بما فرضه محور المقاومة والممانعة.

وأكد الهبر أنه “يمكن النظر بإيجابية إلى قدوم الوفود التي تأتي إلى لبنان، وإلى زيارة الرئيس عون للسعودية وقطر، ولكن الحصيلة الناتجة عن ذلك غير كافية لإعادة الأمن والاستقرار إلى لبنان، وإعادة ثقة المواطن اللبناني بالمؤسسات، وعودة الاستثمارات والسياحة، لأن البلد لا يمكنه أن يعيش حين يكون محور المقاومة في الواجهة”.

ويضيف “ما حدث في صفقة الرئاسة من القبول بإلزامات السيد حسن نصرالله لا يترك لنا فرصة كبيرة للتفاؤل حول إمكانية التوصل إلى حلول للمشكلات الكبرى على الرغم من عودة الوفود الدولية والعربية إلى لبنان”.

واعتبر النائب عن تيار المستقبل رياض رحال أن مرحلة ما بعد إنهاء الفراغ الرئاسي “نجحت في تحقيق سلسلة من الإيجابيات تمثلت في عودة الحراك الدبلوماسي الدولي والعربي إلى لبنان، بعد أن كان قد دخل في فترة عزلة، كما أن هذه الزيارات لم تكن بروتوكولية وحسب، بل حمل الزوار مجموعة مشاريع تهدف إلى مساعدة لبنان في معالجة الكثير من القضايا الشائكة وأهمها قضية الإرهاب. يضاف إلى ذلك أن الأفق الذي فتحته زيارات الرئيس عون إلى دول الخليج ساهم في إعادة العلاقات اللبنانية العربية إلى ما كانت عليه، ومهد الطريق أمام عودة الاستثمارات، والاهتمام العربي بلبنان”.

خيرالله خيرالله: هناك بداية عودة لبنان إلى الساحة الدولية، وبانتظار ما ستؤول إليه الأوضاع الإقليمية

عهد جديد

أوضح المستشار الإعلامي السابق لرئيس الجمهورية الكاتب والصحافي أديب أبي عقل في تصريحات إعلامية أن “زيارات المسؤولين الأجانب أمر طبيعي مع انطلاقة أي عهد جديد لتأكيد استمرار العلاقات فيما بينهم”.

واعتبر أن “لبنان غاب سنتين عن الساحة الدولية بفعل الفراغ في المنصب الرئاسي وانشغاله بمشكلاته الداخلية، وهذه مناسبة لتنشيط علاقات لبنان مع العالم”.

ولفت أبي عقل إلى دور الأجندة السياسية والأمنية والاقتصادية في عودة الدبلوماسية اللبنانية إلى نشاطها، وهنا جاءت زيارة رئيس الجمهورية ميشال عون إلى السعودية ودولة قطر، خصوصاً أن العلاقات السياسية مع دول الخليج لها عمق اقتصادي. وأوضح الكاتب والمحلل السياسي المتخصص في الشؤون الخارجية والعلاقات الدولية، خليل فليحان في تصريحات صحافية قائلا “حركة المسؤولين والموفدين العرب والأجانب إلى بيروت في الفترة التي أعقبت انتخاب رئيس جديد للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة، تعكس احتفاءً بوجود رئيس للبلاد بعد فراغ استمر أكثر من سنتين ونصف السنة”.

وأشار إلى أنه “خلال هذه اللقاءات يتم الاطلاع على الأوضاع في المنطقة والتطورات، فوزير خارجية العراق إبراهيم الجعفري، أطلع عون على تطورات الحرب على تنظيم داعش في بلاده، فيما وجه أمين عام جامعة الدول العربية دعوة رسمية له لزيارة مقر الجامعة كما أن الرئيس تلقى دعوات لزيارة فرنسا والكويت وغيرها من الدول التي حضر مسؤولون منها إلى بيروت”.

ولفت فليحان إلى أن “اللقاءات التي يجريها المسؤولون اللبنانيون مع نظرائهم الأجانب سواء خلال استقبالهم في بيروت، أو أثناء الزيارات الخارجية، تنتج عنها حوارات وتبادل في وجهات النظر، خاصة في ملف الأزمة السوري الذي يتأثر به لبنان، لا سيما في ما يتعلق بالعدد الكبير من اللاجئين السوريين”.

ورأى الكاتب والمحلل السياسي خيرالله خيرالله أنه من الطبيعي بعد انتخاب رئيس جديد للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة أن تشهد الساحة اللبنانية حركة نشطة للمسؤولين الأجانب ليتأكدوا من عودة الدولة والمؤسسات الدستورية فيها، وهناك محاولة جدية لاستعادة الدولة وإعادة تفعيل مؤسساتها الدستورية.

واعتبر خيرالله خيرالله في تصريحات إعلامية أن “نتائج هذه الزيارات تعتمد على كيفية أداء لبنان الرسمي، خصوصا تجاه الدول العربية، حتى الآن الحكومة استطاعت إنجاز بعض المواضيع المهمة وتقوم بعمل جيد خصوصاً في مكافحة الإرهاب”.

وأكد خيرالله أن “هذه الزيارات ستساهم في تأمين دعم للجيش والقوى الأمنية اللبنانية، أمّا بالنسبة للدعم المالي، فلن يكون دعماً كبيراً خصوصاً مع تبدل الأوضاع الاقتصادية لدول الخليج ، وبالتالي فإن دعم هذه الدول سيكون محدوداً”.

ووصف الكاتب والمحلل السياسي اللبناني صورة المشهد السياسي في لبنان حاليا بأنها “أفضل من الفترة الماضية لكن كل شيء يعتمد على قدرة الحكومة ورئيس الجمهورية على الوفاء بالالتزامات التي قطعوها للإخوة العرب وعلى رأسهم السعودية”.

واستدرك قائلا “لكن يمكن القول إن هناك بداية لعودة البلاد إلى الساحة الدولية، ولبنان كما الكثير من الدول بانتظار ما ستؤول إليه الأوضاع الإقليمية في المنطقة خصوصاً تطورات الملف السوري”.

7