عودة نجل القذافي تهدد بتصدع المعسكر الداعم لحفتر

ظهور سيف الإسلام القذافي وعودته إلى المعترك السياسي قد يؤدي إلى تشكل تحالفات جديدة وغير متجانسة بين أعداء الأمس.
الثلاثاء 2021/08/03
عودة ستحدث شرخا في قوات المشير حفتر

ينذر ظهور سيف الإسلام القذافي لأول مرة منذ سقوط نظام والده في 2011 وإعلان رغبته في العودة إلى الحياة السياسية بتعقيد المشهد الليبي المتأزم أصلا منذ عشرة أعوام، وقد يدفع البلاد نحو حرب جديدة أكثر دمارا تلوح بوادرها مع انقسام معسكر المشير خليفة حفتر بين مؤيد لعودة سيف الإسلام ورافض لها.

طرابلس- بمجرد ظهور سيف الإسلام القذافي في حوار صحافي وإعلانه عن رغبة ضمنية في العودة إلى الحياة السياسية ومهاجمته الطبقة السياسية في ليبيا، سارع رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح المحسوب على معسكر حفتر إلى تأكيد رفضه لعودة أي شخص مطلوب للعدالة إلى دواليب الحكم.

وقال صالح في جلسة مجلس النواب التي خصصت الإثنين لمناقشة مشروع قانون الانتخابات وتحديدا شروط الترشح “لا يكفي أن نقول من صدر في حقه حكم جنائي بات، بل أيضا أي شخص مطلوب من قبل المحكمة الجنائية لا يحق له الترشح للرئاسة”.

ويعارض عقيلة صالح بذلك دعوات المشير خليفة حفتر لإلغاء الشروط التي تقيد الترشح للانتخابات الرئاسية المقررة في الرابع والعشرين من ديسمبر المقبل، والتي يستغلها الإسلاميون لمنع ترشح عسكريين مطلوبين للقضاء بتهم تعلقت بهم خلال الحرب التي استمرت عشر سنوات.

منافس سياسي ثالث

عقيلة صالح: كل شخص مطلوب قضائيا لا يحق له الترشح للرئاسة
عقيلة صالح: كل شخص مطلوب قضائيا لا يحق له الترشح للرئاسة

عاد سيف الإسلام القذافي للظهور في لقاء أجراه معه الصحافي الأميركي روبرت وورث لحساب صحيفة “نيويورك تايمز” التي نشرته في شكل قصة خبرية مطولة عن الأزمة الليبية الجمعة. ويطرح سيف الإسلام نفسه كخيار ثالث لتوحيد البلاد التي مزقتها الحرب الأهلية وانهار اقتصادها، رغم امتلاكها أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا.

فليبيا بعد عشرة أعوام على سقوط نظام معمر القذافي منقسمة بين شرق يسيطر عليه الجيش بقيادة المشير خليفة حفتر، وغرب تتقاسم السيطرة عليه كتائب مسلحة أقواها كتائب مصراتة، وأبرز قادتها فتحي باشاغا وزير الداخلية السابق في حكومة الوفاق (2016 – 2021). وأهم ما في مقال “نيويورك تايمز” أحدث صورة لسيف الإسلام القذافي بلحيته التي خالطها الشيب وعباءته الخليجية وعمامته السوداء.

وهذا يمثل أول دليل على أن سيف الإسلام ما زال “حيا”، بعد أن ثارت شائعات بشأن وفاته، حيث زعمت وسائل إعلام ليبية أنه توفي بمرض السل في سجنه، قبل إعلان إطلاق سراحه بأيام.

واعتقل الرجل في أكتوبر 2011 عند محاولته الفرار نحو النيجر واختفى أثره في 2017 بعد إطلاق المجموعة المسلحة التي اعتقلته سراحه من منطقة الزنتان الواقعة بأعلى هضبة في الجبل الغربي (170 كيلومترا جنوب غرب طرابلس).

استعادة السلطة

كان آخر من التقاه خلال الفترة الماضية الناشطان الروسيان مكسيم شوغالي وسامر سويفان اللذان اعتقلا في طرابلس في 2019، ووجهت لهما تهمة الجوسسة قبل أن يطلق سراحهما في 2020.

ومنذ ذلك الوقت تضاربت الأنباء بشأن مصير سيف الإسلام، بل وشكك البعض في أنه موجود على قيد الحياة إلى أن ظهر الجمعة. والمثير في لقاء الصحيفة مع سيف الإسلام أنه لم يتغير ولا يشعر بالندم، بل عبر عن اعتقاده أنه حان الوقت لعهد “الكتاب الأخضر”.

ويرى ابن القذافي أن السياسيين الليبيين “لم يجلبوا إلا البؤس، وحان الوقت للعودة إلى الماضي، فالبلد جاثٍ على ركبتيه، لا مال ولا أمن، لا توجد حياة هنا”. وانطلاقا من هذا التحليل المأساوي لوضع البلاد يُقدم ابن القذافي نفسه كمنقذ للبلاد، وأنه يريد “إحياء الوحدة المفقودة”.

وإن لم يعلن سيف الإسلام ترشحه للرئاسيات المرتقبة في الرابع والعشرين من ديسمبر المقبل، إلا أن ممثليه في ملتقى الحوار السياسي قاتلوا بالتنسيق مع الداعمين لحفتر من أجل إلغاء أي شروط للترشح للرئاسيات.

ومن تلك الشروط التي تعوق ترشحه الحكم القضائي غير النهائي من محكمة طرابلس في 2015 بإعدامه رميا بالرصاص، كما أنه مطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

عودة سيف الإسلام قد تُحدث شرخا في صفوف الجيش الليبي خاصة إذا قرر استعادة السلطة بالقوة بدعم روسي
عودة سيف الإسلام قد تُحدث شرخا في صفوف الجيش الليبي خاصة إذا قرر استعادة السلطة بالقوة بدعم روسي

ومع ذلك فالقذافي الابن مقتنع بقدرته على تجاوز كل تلك العوائق القانونية، وأنصاره بادروا بتنظيم حملات على شبكات التواصل الاجتماعي تحت شعار “رشحناك”، وشكلوا لذلك ما يسمى بـ”حراك رشحناك من أجل ليبيا” الذي نظم حملتين آخرها في نوفمبر 2020.

فعشرة أعوام بعد الثورة لم تمحُ إلى حد الآن 40 سنة من حكم معمر القذافي وأبنائه، إذ لا زالت مدن وقبائل تجاهر بدعمها له على غرار قبائل القذاذفة والمقارحة وورفلة المنتشرة في مدن سرت (وسط) وبني وليد والشويرف (غرب) وبراك الشاطئ وسبها (جنوب). كما يوفر له ابن عمه المقيم في مصر أحمد قذاف الدم الدعم المالي، حيث يحتفظ بثروة طائلة ويقود أيضا حزب النضال الوطني.

أما الكتائب الأمنية التي شكلها معمر القذافي لحماية نظامه وإن تم تفكيكها بعد الثورة، إلا أن أطراف الصراع عادت واستعانت بقادتها وعناصرها وتم ضمهم إلى وحدات عسكرية، لكن أغلبهم يتبعون الآن الجيش بقيادة حفتر.

ولا شك أن معسكر المشير خليفة حفتر سيكون المتضرر الأكبر من عودة سيف الإسلام، فالجيش الوطني قد تحالف منذ نهاية 2014 مع قادة الكتائب الأمنية التابعة لنظام القذافي، واستوعب عناصرها في صفوف قواته بتوجيهات من السلطات الأمنية في مصر بحسب العقيد عبدالباسط تيكة القيادي في جهاز مكافحة الإرهاب بطرابلس.

وسيف الإسلام نفسه زعم أن 80 في المئة من قوات الجيش الوطني من أنصاره، في تصريح نقله عنه الناشطان الروسيان اللذان اعتقلا بسببه في 2019.

وعودة الرجل قد تُحدث شرخا في صفوف الجيش الليبي، خاصة إذا قرر استعادة السلطة بالقوة بدعم روسي، أما إن تمكن من دخول الانتخابات فسيمثل أبرز منافس لحفتر إلى حد الآن على الرئاسة.

وتجدر الإشارة إلى أن أنصار القذافي يتبوأون مناصب حساسة في صفوف الجيش الوطني، وأبرزهم اللواء المبروك سحبان قائد القوات البرية (من قبيلة المقارحة) والرائد عمر امراجع قائد كتيبة طارق بن زياد (من المقارحة)، واللواء عبدالسلام الحاسي قائد القوات الخاصة، وقبلهم محمد بن نائل

قائد اللواء 12 الذي سيطر على قاعدة براك الشاطئ الجوية (جنوب) في 2016 وانضم إلى حفتر، وبفضله تمكن الأخير من دخول القاعدتين الجويتين تمنهنت (جنوب) والجفرة (وسط) قبل أن يتوفى في ظروف غامضة.

وتعكس هذه المؤشرات قلق حفتر من الخطورة التي يشكلها سيف الإسلام القذافي على طموحه السياسي، خاصة وأنه كان عدوا لوالده منذ سقوطه أسيرا في حرب تشاد عام 1987 إلى غاية مقتله في العشرين من أكتوبر 2011.

دعم خارجي

مدن وقبائل لا زالت تجاهر بدعمها لحكم معمر القذافي وأبنائه على غرار قبائل القذاذفة والمقارحة وورفلة
مدن وقبائل لا زالت تجاهر بدعمها لحكم معمر القذافي وأبنائه على غرار قبائل القذاذفة والمقارحة وورفلة

تحدثت تقارير إخبارية عديدة عن وجود عسكري روسي في ليبيا عبر شركة “فاغنر”، فيما تفيد تقارير إخبارية أخرى بوجود قوات روسية نظامية أيضا. وهذا الثقل العسكري الروسي وإن كان في الظاهر لصالح حفتر إلا أن موسكو قد تختار القذافي في النهاية إذا خيرت بينه وبين حفتر.

ويفسر محللون ذلك انطلاقا من تأكيد حفتر في الفترة الأخيرة على ضرورة رحيل جميع المرتزقة الأجانب من ليبيا “بدون استثناء”. وموافقته على فتح الطريق الساحلي بين الشرق والغرب الجمعة بعد عرقلته مرارا لمحاولات فتحه تعكس بداية تغير في استراتيجيته نحو التقارب النسبي مع حكومة الوحدة الوطنية.

ولا تخفي موسكو دعمها للقذافي، حيث استقبل مبعوث الرئيس الروسي الخاص بالشرق الأوسط وأفريقيا ميخائيل بوغدانوف مفتاح الورفلي وعمر أبوشريدة ممثليْن عن “حركة سيف الإسلام” في الخامس عشر من يناير الماضي. وليس ذلك فقط فروسيا تعتقد أنه “سيفوز” في الانتخابات، بحسب دبلوماسي أوروبي وصفته الصحيفة الأميركية بأنه “ذو خبرة طويلة في الشأن الليبي”.

سيف الإسلام يطرح نفسه كخيار ثالث لتوحيد البلاد التي مزقتها الحرب الأهلية وانهار اقتصادها، رغم امتلاكها أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا

وذكرت “نيويورك تايمز” عن استطلاعات رأي (لم تحددها) أن 57 في المئة من سكان منطقة واحدة (لم تذكرها) عبّروا عن “ثقتهم” بسيف الإسلام. ونقلت عن محامية ليبية أن “عملها غير الرسمي لقياس الرأي العام يشير إلى أن 8 أو 9 من كل 10 ليبيين سيصوّتون لسيف الإسلام”.

كما أنه ليس من المستبعد أن تؤدي عودة القذافي إلى المعترك السياسي إلى تشكل تحالفات جديدة وغير متجانسة بين أعداء الأمس في إطار سياسة “عدو عدوّي صديقي”.

لكن منذ 2011 خسر أنصار القذافي معظم المعارك العسكرية التي خاضوها ضد كتائب الغرب الليبي أو حفتر، فهل سيتمكن سيف الإسلام من تجميع شتاتهم أم سيزيد البلاد انقساما؟

7