عولمة الأزمة القطرية

الاثنين 2017/08/07

الشرارة التي انطلقت منها الأزمة بين قطر والدول العربية الأربع (مصر والمملكـة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين)، ثنـائية وإقليمية في أحسن الأحـوال، نتيجة التدخلات السافرة في شؤون هذه الدول وغيرها، وبسبب قيام نظام الدوحة بدعم عناصر وجماعات وتنظيمات إرهابية وتأييد منهج العنف في المنطقة.

الإجراءات التي اتخذتها هذه الدول تصب في كبح السلوك القطري، وإعادته إلى الصواب بالأساس، وجرت مياه كثيرة في هذا المجال، جميعها لم يخرج عن الطابع السلمي، ولم يسع أصحابه إلى التدويل إلا في جانب التعريف بالمخاطر التي تنطوي عليها، وفضح ممارسات قطر، واستمرارها يمكن أن يؤدي إلى تداعيات وخيمة على دول كثيرة.

بمعنى أن التحركات التي قامت بها الدول الأربع، جماعة وفرادى، غرضها توفير درجة عالية من الأمن والاستقرار، وردع التدخلات التي تقوم بها الدوحة وكف أذاها السياسي والأمني، ولم يتم التعامل مع الأزمـة في شقها الدولي، وبدا الحرص واضحا على حصرها في البيت الخليجي أو العربي في أقصى تقدير، ليس للنيل من هذه الدولة وشعبها، لكن لتهذيب وتقويم سلوكها، وجعله مقبولا منعا للمزيد من الانفلات والفوضى.

الدوحة لم تجد في الملعب الثنائي أو الإقليمي ساحة مناسبة لها للتعامل مع الأزمة، وسعت منذ البداية لصبغها بطابع عالمي، فاستدعت قوات من تركيا، وانفتحت أكثر على إيران، وهي أحد الروافد العميقة للأزمة، وتباهت بوجود أكبر قاعدة أميركية على أراضيها، وبعثت بإشارات تحمل ثقة زائفة بالنفس.

في هذا السياق، جاب وزير الخارجية القطري دولا في الشرق والغرب، وتم إحياء أبواق سياسية وإعلامية توارت منذ فترة لمخاطبة الرأي العـام الدولي، ولم تتجه غالبية الخطابات المفتعلة إلى الدول المعنية مباشرة إلا قليلا، وقفزت عليها عن قصد، لأنها تريد تفريغ الأزمة من سياقاتها المنطقية.

السلوك المعولم، إن جاز التعبير، وجدت فيه قطر مجالا خصبا لممارسة هوايتها في “تعويم الأزمات”، والابتعاد عن مواجهتها في صورتها الحقيقية، والانحراف بها عن الطريق الصحيح، لأنه مكلف بالنسبة إليها، ويفرض عليها اتباع سياسات والالتزام بممارسات يمكن أن تضّيق الخناق حول رقبتها، وتضعها في النهاية داخل مربع من الصعوبة الفكاك منه، دون تنازلات كبيرة ونوعية، بعد أن فقدت الدول الأربع الثقة فيها تماما.

الدوحة قامت بتمديد خيوط التواصل السياسي والإغراء الاقتصادي مع عواصم دولية عدة، واستقبلت وزراء خارجية من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي، لإحداث قدر من الضجيج على المسرح العالمي، بما يوحي أن هناك دولة صغيرة ترغب في الحل، وخصومها الكبار لا يريدونه.

واجتزأت من المطالب الـ13 التي قدمت إليها كمدخل للحل، عبارات وجملا معينة لتضفي بريقا عاطفيـا، تحاول من خلاله كسب الرأي العام الدولي لصالحها، على أمل أن يضغط بعد ذلك على حكوماته لعدم التخلي عنها، بذريعة أنها مستضعفة ومستهدفة.

اللعبة التي دخلتها قطر، أطالت من عمر الأزمـة، ووجدت فيهـا منافـذ جديدة قـد تفضي إلى صرف الأنظـار عـن السبب الـرئيسي الذي أدى إلى اندلاعها، وقلبت الدوحة المقاطعة إلى الحصار، والإرهـاب الذي تدعمه إلى حريـات، والعنـف الذي تؤيده إلى حقوق إنسان، وهكذا جرى استمراء اللعبة وافتعال سلسلة من التناقضات، لأنها بدأت تجد في هذا الطريق أصداء لدى بعض العواصم، التي لها مصالح كبيرة مع قطر، أو تلك التي تملك فيها الدوحة نفوذا إعلاميـا واقتصاديا مؤثـرا. الحيل والمناورات والألاعيب، استعانت فيها قطر بمكاتب خبرة وشخصيات بارعة في إدارة الأزمـات، نصحوها بالعـزف المستمر على وتر التدويل والابتعاد قـدر الإمكـان عن المحور الإقليمي، الذي تملك فيه الدول الأربع باعا طويلة ومسوغات كبيرة، كفيلة بأن تجهز على المنطق القطري المعوج، والخروج دوما إلى الفضاء العالمي الأكثر رحابة للدوحة.

هذا النمط من التصورات سلكته قطر، وهي تدرك أن حرية الحركة لديها أعلى عمليا من الدول العربية الأربع، فالدوحة صاحبة القرار المباشر، حتى لو استعانت ببيوت خبـرة ومتخصصين في إدارة الأزمات، واستمعت إلى نصائح وتوجيهات من دوائر متباينة، ونسقت مع قنوات عدة.

وفي النهاية يبدو الموقف الذي يخرج من عندها وكأنه أكثر سرعة، حيث عمدت إلى أن تمسك بزمام المبادرة، وتختلق مشكلات بعيدة عن جوهر الأزمة.

فبعد أن تلقت المفاجأة-الصدمة الأولى للمقاطعة، حاولت امتصاصها بالتدريج، والانحراف بها إلى دهاليز ودروب متنوعة، رغبة في إرهاق الطرف المقابل، ولعل صمت الشيخ تميم بن حمد عن الكلام لنحو أربعين يوما ثم يخرج ويخاطب جمهوره، دليل على حجم الخيبة التي هزت نظامه.

الدول الأربع التي استفادت من المبادرة أو الضربة الأولى، تحتاج إلى المزيد من الوقت للتعاون والتنسيق وتجميع المعلومات والتوصل إلى تقديرات موقف صائبة، ثم التفاهم حول رؤية موحدة، وهي ميزة بالطبع، ودليل صحة وعافية وقوة سياسية على المدى الطويل (الإستراتيجي)، غير أنها على المـدى القصير (التكتيكي) قـد تكون عائقا أمام أزمة متقلبة وارتداداتها متسارعة.

بالتالي تحتاج إلى ردود فعل مباشرة لتجنب فهم مظاهر البطء خطأ، وهو ما التفتت إليه الدول الأربع سريعا، وأصبحت الخطوط العريضة واضحة، وبات هناك قدر لافت من التناغم من دون حاجة إلى لقاءات واجتماعات مباشرة.

من يراقب الأداء الإعلامي والسياسي والاقتصادي للدول الأربع منفردة، يجده متسقا مع القناعات الرسمية التي ظهرت في اللقاءات الجماعية، فالخبرة وفرت مساحة جيدة للتعامل مع الأزمة ووفرت وقتا كان من المطلوب توظيفه.

في المقابل، لا تجد الدوحة سبيلا سوى تفعيل سلاح “الشوشرة” والتمادي في الصوت العالي والصراخ على المستوى الدولي، عسى أن تجد آذانا تصغي لها، حدث ذلك عند قيامها بالتقدم بشكوى لمنظمة التجارة العالمية ضد دول الخليج الثلاث (السعودية والإمارات والبحرين)، بسبب قرار الدول الثلاث مقاطعة قطر اقتصاديا ودبلوماسيا، وزعمت أن هذه الدول تتبنى إجراءات تمثل “محاولات قسرية لفرض عزلة اقتصادية”.

وعندما تقدمت إلى مجلس المنظمة الدولية للطيران “الايكاو”، بشكواها للنظر في مقاطعة الدول الأربع، لم تجد صدى لها، لكنها لم تتوقف عن المضي في الطريق المعولم، وتلمس الخطى التي قد تحرج خصومها معنويا.

ثم قامت الدوحة بتوجيه شكوى إلى مجلس الأمن بزعم أن مصر تستغل رئاستها للجنة مكافحة الإرهاب بمجلس الأمن لتحقيق أهداف سياسية وتصفية حسابات مع دول بعينها، الأمر الذي انقلب على رأس قطر، فقد ردت مصر برسالة تضمنت وثائق تؤكد دعم وتمويل الدوحة للإرهاب، وهو ما أوصلها إلى المحطة الأولى التي انطلقت منها الأزمة، والتأكيد أن عولمة الأزمة أكثر ضررا من حلها إقليميا.

كاتب مصري

9