عون في السعودية: مصالح فرنسية روسية إيرانية وغياب عربي

الثلاثاء 2017/01/10

ارتبطت زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون إلى المملكة العربية السعودية، والتي تليها زيارة إلى قطر، بعنوان عودة الحرارة إلى العلاقات اللبنانية السعودية، وما يستتبع ذلك من احتمال عودة الهبة السعودية للجيش اللبناني وعودة السياحة الخليجية إلى لبنان. بعض القراءات السياسية اعتبرت الزيارة انتصارا لسياسة الانفتاح التاريخية للبنان، كما كان هناك شبه إجماع على إيجابيتها وقدرتها على إعادة إنتاج الحضور العربي والخليجي في لبنان.

تهمل هذه القراءات، عن قصد أو عن غير قصد، سلسلة الوقائع والتطورات التي جعلت هذه الزيارة ممكنة، وأبرزها أنها جاءت بعد اتفاق مسبق بين فرنسا والسعودية على تسوية موضوع الهبة السعودية للجيش اللبناني والتي تقوم على شراء سلاح تصنعه شركات فرنسية. تقوم هذه التسوية على التخفيف من المخاوف السعودية بوقوع السلاح الذي تمول شراءه لصالح الجيش اللبناني في يد حزب الله عبر تقسيط إنتاجه ووصوله إلى الجيش على مراحل ترتبط بحاجاته المباشرة.

تضاف إلى ذلك أن السياسة الفرنسية تشهد حاليا انفتاحا على الرئيس السوري بشار الأسد الذي تلقى زيارة من نائب اليمين الفرنسي تييري مارياني، وستتبع هذه الزيارة بزيارات أخرى تشي بأن هناك مرحلة جديدة من العلاقات الفرنسية السورية مع صعود اليمين الفرنسي المؤيد عموما للرئيس السوري بشار الأسد، والمرجح أن يسيطر على مقاليد الأمور في المرحلة القادمة.

هكذا فإن مصالح فرنسا الاقتصادية المباشرة، وآفاق سياساتها القادمة، تنسجم مع تسهيل مهمة الرئيس اللبناني المحسوب على محور الممانعة السوري – الإيراني في السعودية، وخصوصا لناحية الإفراج عن الهبة السعودية. لروسيا مصالحها أيضا، حيث أن هناك مشروع شراء سلاح من روسيا بقيمة نصف مليار دولار كان قد طرح في فترة سابقة وتم إيقافه تحت عناوين عدم إثارة حفيظة الولايات المتحدة الأميركية التي تقدم أسلحة ومعدات للجيش اللبناني بشكل مساعدات وهبات. العلاقة الأميركية الروسية المرشحة للدخول في مرحلة مناقضة تماما للمرحلة السابقة مع تنصيب دونالد ترامب تزيح هذا الحاجز، حيث تشير بعض المصادر إلى أنه من المرجح أن يتضمن برنامج زيارة عون إحياء موضوع شراء السلاح من روسيا ضمن الهبة السعودية، أو من مصادر ممولة خليجية أخرى.

عمدت إيران إلى تسهيل الزيارة لأنها تصب في مصلحتها إقليميا ولبنانيا، فهي ترى أن عودة السعودية إلى لبنان في ظل سيطرة حزب الله الواضحة عليه تتضمن اعترافا واضحا بنفوذها في لبنان، وسعيها إلى مقايضة هذا النفوذ في مناطق ملتهبة أخرى كاليمن وسوريا. كما أن عنوان تمويل الجيش اللبناني الأساسي يرتبط بمحاربة الإرهاب، وهذا العنوان يعني لبنانيا ملاحقة كل العناصر التي تعارض النظام السوري وحزب الله، ما ينسجم، تماما، مع المصالح الإيرانية.

موضوع عودة السياحة الخليجية إلى لبنان، والمطروح ضمن عناوين زيارة عون إلى السعودية، يبدو عنوانا مطلوبا لحزب الله على عكس ما يعتقد الكثيرون، لأن عددا كبيرا من العاملين في قطاع السياحة والفنادق في لبنان ينتمون إلى جمهوره، وقد أصابهم انكماش هذا القطاع بأزمات مادية قد تشكل عاملا ضاغطا على الحزب في ظل تراجع الدعم المالي له، والكلفة المادية الكبيرة لحربه في سوريا. انتعاش القطاع السياحي والخدماتي يشكل دائرة اقتصادية عامة تشكل استفادة الحزب وجمهوره جزءا أساسيا من تداعياتها الإيجابية.

هذه العودة، في حال تحققت، تتضمن بعدا سياسيا يتمثل في إمكانية استثمارها في سياق لبناني داخلي عبر إنجاح عهد العماد عون، واستثمار هذا النجاح في الإمساك التام بالقرار المسيحي. يمكن من ناحية أخرى بيع الطرف السني، المتمثل بتيار المستقبل، موقفا يمكن أن يدفع الشارع السني إلى القبول بسيطرة الحزب على القرار الحكومي في حال تحقق الانفراج الاقتصادي مع عودة السياح الخليجيين.

يمكن لهذا الموضوع أن يترجم كذلك في إطار تفعيل سياق العلاقات الإيرانية السعودية المتأزمة، حيث يمكن أن تستعمل إيران موضوع الحفاظ على أمن السياح السعوديين في لبنان كبادرة حسن نية تفتح من خلالها كوة في جدار أزمة العلاقة الإيرانية السعودية. وكان رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإسلامي الإيراني، علاء الدين بروجـردي، قد استبق زيارة عون إلى السعودية بزيارة إلى لبنـان جدد فيهـا نية إيران في تسليح الجيش اللبناني.

وكان لافتا دخول رئيس حزب القـوات اللبنانية سمير جعجع على خـط قبول الهبة الإيرانية في مـوقف يتعارض مع مواقفه السابقة. بعد كل هذه السياقات يبقى السـؤال عن معنى عودة السعودية إلى لبنان، أو عودة العلاقات اللبنانية الخليجية في ظل غياب مشروع عربي في لبنان، وفي غياب صيغة واضحة للدولة اللبنانية. تملك كل الدول المؤثرة على لبنان مشروعا واضحا يرتبط بشبكة مصالح ظاهرة ومباشرة، وتبني سياساتها على أساسها. خارطة زيارة ميشال عون إلى السعودية رسمت من خلال التقاء شبكة مصالح فرنسية – روسية – إيرانية، في حين لا تظهر علامات المصالح السعودية والخليجية بشكل واضح.

من هنا يتخذ الحديث عن لبنانية قرار الزيارة، ودلالات اختيار الرئيس اللبناني للسعودية كوجهة أولى لزياراته الخارجية دليلا إضافيا على خروج السياسة اللبنانية من دائرة الواقعية والعقلنة، وإصرارها على الركون إلى مشهدية المظاهر التي تعني أن البلد يختار عن سابق تصميم وإرادة تعميق هامشيته، وتحويلها إلى ناظم أعلى للسياسة اللبنانية.

كاتب لبناني

8