عون مقابل السنيورة

الأحد 2016/01/24

خلال أجواء كتابة المقالة، استضافتني محطة لبنانية من صميم الخط الممانع، سألني أحد إعلامييها عن رأيي في قضية لبنانية، وحين أجبت علق متسائلا “وهل هذا رأي السعودية الرسمي!”، والحقيقة أن هذه معضلة تواجه الصحافيين السعوديين في التعامل مع القضايا العربية، لا يتصور بعض الساسة وبعض صناع الرأي في العالم العربي أن الصحافي السعودي له رأي مستقل، للوهلة الأولى تتصور أن هذه إساءة للمملكة، لكن هذا التفكير يعكس محيط السائل قبل موضوع السؤال، مؤخرا أصدرت وزارة الخارجية السعودية بيانا يوضح أن آراء الزملاء نواف عبيد وجمال خاشقجي ود. أنور عشقي تمثلهم كأشخاص، وليتهم وسعوا البيان ليشمل كل الكتاب والصحافيين السعوديين فيرتفع الحرج عن الجميع.

لبنان يتشقلب بلا توقف، الشيخ سعد الحريري رشح سليمان فرنجية، د. سمير جعجع رشح عون، فرنجية يقول لأصدقائه: لو هاتفني بشار الأسد والسيد حسن نصرالله لن أتنازل، فلننزل إلى الانتخابات، وصاحب الأصوات الأقل يتنازل لصاحب الأصوات الأعلى، فليس هناك انتخابات في العالم تنازل فيها صاحب القبول الأكبر لصاحب القبول الأصغر، وما يردده فرنجية في مجالسه انعكاس لأجواء تيار المستقبل، لو حصلت الانتخابات فرنجية سيكتسح، ومن الطريف أن يشيع عبر أوساط فرنجية: مستعد أن أتنازل لأيّ أحد إلا عون!

في هذه المعمعة لديّ رأي شخصي، بترشيح القوات لعون، تكون الكتلة المارونية الأكبر قالت كلمتها، وتلبية هذا الترشيح يعني إجباريا، حين تقول الكتلة السنية الأكبر كلمتها في رئاسة الحكومة لا بد أن تتحقق، والأمر نفسه منطبق على الكتلة الشيعية ورئاسة مجلس النواب، والذهاب إلى العكس، اختيار ماروني من الكتلة الأصغر، يشرّع ما يفعله حزب الله راهنا، سلب حقوق الكتلة السنية الأكبر في رئاسة الحكومة، وهذا التعدي لا بد من إيقافه إلى الأبد، وهذا مريح للسنة ولتيار المستقبل كما يناسب القوى المسيحية اليوم وغدا ولا يمس المواقع الشيعية، وربما نتخلص من هاجس الفراغ نهائيا.

فلنطبق هذه المعادلة الذهبية كقاعدة دائمة ونوسعها، في تشكيل الحكومة المقبلة، نعود إلى مبدأ المداورة الذي انطلق مع حكومة الرئيس تمام سلام في إطار أغلبية 14 آذار وأقلية 8 آذار، يفترض أن لا يكون هناك فيتو على أسماء 8 آذار من قوى ثورة الأرز، والعكس صحيح، مرفوض قطعا أيّ فيتو على أسماء 14 آذار من الأطراف الأخرى، ومن يضع فيتو هنا يقابله فيتو هناك، ويتمدد هذا إلى التعيينات، وما يساعد على إتمام هذه القاعدة المصالحة المسيحية التي تحققت بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، العامل الأهم الذي تحققه هذه القاعدة إضافة الى التدوير، عدم الحاجة إلى أشهر طوال لتشكيل الحكومة، أصلا لن تحكم الحكومة المقبلة أكثر من سنة وربع حيث تبدو الانتخابات النيابية التي ستكتسب زخما ممتازا مع تثبيت هذه الأعراف التي ستضمن نجاحا مستقرا لسنوات الجنرال الست في بعبدا، ليكون “العهد العوني” علامة فارقة في التاريخ اللبناني.

هناك نقطة جوهرية لا بد أن يدركها عون، أصوات تيار المستقبل هي محطة العبور الإلزامية إلى قصر بعبدا، قال في مقابلة تلفزيونية حديثة إنه وقف مع الشيعة حين استهدفهم العالم لأنه يعيش معهم، لا بد أن يتذكر أنه يعيش مع السنة أيضا، هناك ورقة تفاهم مع حزب الله وورقة نوايا مع القوات، لكن الورقة السنية غائبة، تجربة الحوار مع الشيخ سعد الحريري مؤلمة للطرفين، يقول عون إن الحريري لم يعطه شيئا، وأوساط الحريري تقول إن عون لم يلتزم بأي وعود منها قبل الرئاسة فماذا سيفعل بعدها؟

في ظل انعدام الثقة بين عون والحريري، لا بد من طرف ثالث يتكفل بإدارة الحوار بين المستقبل والعونية، وربما تكون المعايير الأولية: أولا، ميشال عون في قصر بعبدا وفؤاد السنيورة في السراي الحكومي مسميا من الرئيس الحريري، ما دامت معادلة “فرنجية -الحريري” لم تعجب البعض.

ثانيا، تشكيل سريع ومرن لحكومة آمنة من التعطيل أو الإسقاط، مع تركيزها على الأحوال الاقتصادية والمعيشية وتثبيت الأمن.

عون قال في مقابلة تلفزيونية حديثة أنه وقف مع الشيعة حين استهدفهم العالم لأنه يعيش معهم، لا بد أن يتذكر انه يعيش مع السنة أيضا

ثالثا، أراحتنا ورقة النوايا حين أكدت الالتزام باتفاق الطائف، وهذا يشمل العلاقة بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة والحكومة نفسها، والآليات الدستورية في هذا الشأن واضحة وحاكمة، وبالمناسبة فإن اتفاق الطائف ليس مقدسا لكن تعديله يستوجب ظروفا متساوية، إما أن يكون الجميع بلا سلاح، أو أن يتسلح الجميع وهذا مرفوض، وأعتقد أن المسيحيين اكتشفوا أهمية الطائف بعد المصالحة، فالرئيس قوي من دون الحاجة الى تعديل الدستور، والاعتقاد بأن تعديل الطائف في ظل هذه الظروف الإقليمية والدولية من مصلحة المسيحيين محض وهم، والأولى هو تطبيق الطائف تماما قبل الحكم عليه، ولو تم تعديل الطائف ألف مرة لن تحل العقدة اللبنانية، فالمشكلة ليست اتفاق الطائف أو الدوحة، إنما السلاح الخارج عن الدولة القادر على تعطيل أو تفشيل أيّ اتفاق.

رابعا، قانون انتخابي أكثري يحترم المناصفة، ومعادلة ذلك بسيطة، لا هدف لحزب الله من القانون النسبي إلا شرذمة السنة وإضعاف الدروز، السنة والدروز يرفضون النسبية، والمسيحيون يريدون انتخاب العدد الأكبر من نوابهم، فلنذهب إذن إلى قانون أكثري لا يتعدى على أحد وينصف المسيحيين بتحقيق المناصفة من دون تدمير العيش المشترك، وإذا أصر الحزب الإلهي على النسبية فليطبقها في مناطقه. خامسا، لتكن على طاولة المفاوضات، كل التعيينات والملفات العالقة في الحكومة الراهنة ليتم الاتفاق عليها مسبقا، وليضع كل طرف مشاريعه التي يمكن أن يقدمها خلال حكومة العام الواحد للاتفاق عليها وعلى رأسها الإجراءات الاقتصادية، وما يتم الاختلاف عليه يرحل لما بعد الانتخابات. سادسا، تسليم ملف مكافحة الإرهاب لشعبة المعلومات لضمان الابتعاد عن الكيدية الطائفية. سابعا، معالجة القضايا الخلافية في البيان الوزاري بالعودة إلى بيان حكومة تمام سلام وورقة النوايا بما في ذلك الأزمة السورية وسلاح حزب الله، ومن حسن الحظ أن الجنرال أراحنا بوعد إدراج إعلان النوايا ضمن خطاب القسم. ثامنا، ميشال سماحة في السجن. تاسعا، تجديد الالتزام بالمحكمة الدولية واحترام قراراتها وأحكامها. عاشرا، تجديد الالتزام بإعلان بعبدا.

لماذا أطرح هذه الصيغة، رغم المؤشرات القاطعة لفوز فرنجية بالرئاسة وفق المتفائلين، القضية باختصار توقع استمرار ما يسمى بحزب الله في تعطيل الانتخابات الرئاسية، لأنه ببساطة لا يريد رئيسا، يريد الانهيار التام للدولة ليبتلع لبنان على أنقاضها، قد يتعذر الحزب بعدم انسحاب فرنجية، وقد يتعذر بموقف السنة والدروز، فلنحاصر الحزب إذن في حال تعذر وصول فرنجية في جلسة الانتخابات المقبلة مطلع فبراير.

والسؤال الآخر لماذا السنيورة وليس الحريري من وجهة نظري الشخصية التي لا تقدم ولا تؤخر؟ في سنوات غياب الحريري، تعرض تيار المستقبل وتعرض السنة لسيولة واضحة، المطلوب دائما من الشيخ سعد العودة الفورية إلى بيروت لرص صفوف السنة وإعادة هيكلة تيار المستقبل جذريا والتحضير للانتخابات المقبلة، وهذه المهمة لتقوم على الوجه الأمثل بحاجة إلى تفرغ كامل، لكنه إذا وجد الظروف والقدرة تتيحان أداء هذه المهمة مع القيام بأعباء رئاسة الحكومة التي ستعمل على تنظيف تسيب الحكومة الراهنة وخطاياها فلن يكون هناك معترض، فمن يوافق على من يسميه سعد الحريري لرئاسة الحكومة من البديهي أن يوافق على الحريري نفسه.

التركة المعقدة التي خلفتها حكومة تمام سلام، ومنها الخدوش التي طالت هيبة رئيس الحكومة ومنها المؤامرات التي ستستهدف مقامه مستقبلا، كل ذلك يستدعي رئيس حكومة من طراز دقيق كالسنيورة والحريري حصرا. أعتقد أن مهمة رص صفوف الاعتدال والسنة وإعادة هيكلة تيار المستقبل ومداواة جروح 14 آذار ودعم الحكومة أهم من رئاسة الحكومة المهمة بطبيعة الحال، لذلك فالرجل الأهم سنيا وسياسيا (سعد الحريري) للمهمة الأهم، والرجل المهم للمهمة الأقل أهمية، وما يستطيع أن يقوم به الحريري لا يمكن أن يقوم به غيره في تيار المستقبل أو في السنة، مع التأكيد على أن من يدخل السراي الحكومي هذه الأيام يجزم بأنها لم تخلق لغير آل الحريري، وعودة الشيخ سعد إلى السراي أكثر من طبيعية ومنطقية بعد الانتخابات من دون منة أو مقايضة، وفي ظل الأعراف التي أرستها حكومة العهد الأولى، كانت مسيسة أو تكنوقراطا، لن تكون هناك مشكلة.

قد يلوح أحدهم باعتراض القوى الشيعية على الاتفاق بين عون والمستقبل، وهذا الاعتراض لا مبرر له إلا مخططات الحزب الإلهي لإلغاء الآخر السني والمسيحي، خصوصا وأن هكذا تفاهم لا يمس الحضور الشيعي في الدولة مطلقا.

آن للبنان أن ينهض، وآن للدولة أن تستقيم، وعدو الدولة واللبنانيين واضح، والسؤال الآن للجنرال عون: ماذا لو عطل حزب الله وصولك إلى بعبدا رغم انعقاد الإجماع عليك إذا تحقق؟

صحافي سعودي

5