عون يصب الزيت على نار الاحتجاجات

الرئيس اللبناني ميشال عون أعلن نهاية عهده، ووضع نفسه في مقدمة المدافعين عن نظام المحاصصة الطائفي المطلوب إسقاطه، فأسقط نفسه في الشارع.
الخميس 2019/11/14
خطاب استفزازي

منذ انطلاقة ثورة اللبنانيين، الذين اكتشفوا فجأة أنهم شعب واحد بمعاناة واحدة وقضية واحدة وطموحات واحدة في السابع عشر من أكتوبر الماضي، كانت كل محاولات السلطة متمثلة بالحكومة، قبل استقالتها، وبرئيس الجمهورية ورئيس البرلمان وبزعماء القوى السياسية المسيطرة، لمواجهة هذه الثورة الشعبية العارمة، ترتدّ عليها وتزيد الشارع تماسكا.

وكان رئيس الجمهورية ميشال عون في لقائه الصحافي مساء الثلاثاء 2019/11/12 مستبقا لقاءه مع موفد الرئيس الفرنسي، الذي جاء ليستطلع الواقع اللبناني عن كثب وليحث الأطراف السياسية على الإسراع بتشكيل حكومة تحضى بالثقة داخليا وخارجيا لانقاذ البلاد من المأزق الاقتصادي والمالي، كمن يصب الزيت على نار الثورة.

لم يكد ينتهي هذا اللقاء حتى هبّ اللبنانيون في العاصمة ومختلف كل المناطق والمدن يقطعون الطرق بالإطارات المشتعلة ويصرخون بهتاف واحد ردا على تعنت واستفزاز رئيس الجمهورية “فل” (ارحل).

توقع اللبنانيون من رئيس بلادهم أن يتطرق في حديثه الصحافي إلى الاستشارات النيابية الملزمة التي تريث أسبوعين في إجرائها من أجل تكليف رئيس جديد للحكومة، وأن يتطرق إلى شكل الحكومة العتيدة بعد كل هذا الوقت من المماطلة ومن المشاورات بين قوى السلطة، في خطاب يهدّئ الشارع ويقدم مطالبه على رغبات السياسيين في الاستمرار في مواقعهم. لكنهم فوجئوا ليس فقط بحجم التجاهل لمسيرتهم التي قاربت على الشهر من أجل تغيير حقيقي ينتشل البلاد والشعب من الهاوية التي دفعت سياسات الحكومة المستقيلة البلاد إليها، بل أكثر من ذلك. لقد فوجئوا بهذا التحدي الصارخ لإرادة الشارع بمطالبته اللبنانيين بالعودة إلى حياتهم الطبيعية حتى يتفرغ السياسيون المرفوض وجودهم أصلا في موقع المسؤولية، لتنفيذ وعود طالما أطلقوها ولم يفوا بها.

وبالرغم من الجهد الكبير الذي تعاون فيه كلا الصحافيين اللذين أجريا المقابلة مع الرئيس عون متوسلين من جهودهما أن يصلا معه إلى كلام مستساغ مقبول من الشارع، أصر عون على المضي قدما في نفس الخطاب الاستفزازي بتعابيره النافرة “خليهم يهاجروا”، “إذا ما رح يصدقوني أنا كمان ما بصدقهم”.. ما دفع بعشرات آلاف المواطنين إلى الساحات والشوارع ليلا، وتسبب بمقتل أحد المحتجين على مثلث بلدة شويفات جنوبي بيروت،على يد أحد عناصر مخابرات الجيش.

وهذه ليست مصادفة بريئة، بل يمكن اعتبارها واحدة من جملة المحاولات التي تهدف إلى وضع الجيش في مواجهة مباشرة ودموية مع المحتجين. غير أن الشارع اكتسب خبرة ووعيا كافيين لتفادي مثل هذه المواجهة ويبقى على قيادة الجيش التحلي بالحكمة والدراية المطلوبتين وعدم الانجرار وراء رغبات قوى السلطة لضرب الثوار في الساحات وعلى الطرقات.

لقد دفع خطاب الرئيس عون، المتكئ على دعم حزب الله، المحتجين إلى التوجه إلى طريق القصر الجمهوري في بعبدا للمرة الأولى منذ بداية ثورتهم والاعتصام هناك، مطالبين باستقالته، حيث كانوا حتى الأمس يحاولون تحييد الرئيس كي يعاد تشكيل مؤسسات السلطة بشكل دستوري وهادئ. اليوم أعلن رئيس الجمهورية نهاية عهده، ووضع نفسه في مقدمة المدافعين عن نظام المحاصصة الطائفي المطلوب إسقاطه، فأسقط نفسه في الشارع.

وغير بعيد عن ذلك، وفي تجاهل تام لما يجري على الأرض، لاقى رئيس مجلس النواب نبيه بري، في لقائه النيابي الأسبوعي، كلام رئيس الجمهورية في مطالبته المحتجين العودة إلى حياتهم الطبيعية وطالب بفتح المدارس والجامعات وعودة العمل إلى المؤسسات، وكأن شيئا لم يحدث! وكأن من يحتجون في الساحات والطرقات على مدى قرابة الشهر يعدون على أصابع أعضاء كتلته النيابية.

وفي محاولة من بري لثني وسائل الإعلام والفضائيات عن تغطيتها للأحداث ونقلها لآراء المحتشدين في ساحات الاعتصام، أوعز لمحاميه أن يتقدم بدعوى قضائية على أصحاب إحدى القنوات الفضائية “بجرائم إثارة النعرات الطائفية والمذهبية والقدح والذم والتحقير ونشر ​الأخبار​ الكاذبة وجرائم المطبوعات”، نبيه بري نفسه الذي قال بصريح العبارة خلال حراك خريف الـ2015 “لولا الطائفية لسحبونا من بيوتنا”.

عمليا، ليس من مصلحة أحد تصعيد الموقف، وخصوصا حزب الله، الطرف الأقوى حاليا بين قوى السلطة. ربما يكون هذا التوتير مقصودا كي يبدو تسريع الاستشارات النيابية لتكليف رئيس حكومة جديد، أو إعادة تكليف رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري بمثابة تنازل للشارع، وبالتالي اعتبار ذلك بمثابة عنصر تهدئة. لكنه من المؤكد، أنه ما لم تستجب قوى السلطة لمطلب تشكيل حكومة مصغرة مستقلة عن القوى السياسية المسيطرة وبصلاحيات تشريعية استثنائية، فإن كل محاولات هذه القوى سوف ترتد عليها، وستكون كما خطاب عون الأخير: كمن يصب الزيت على النار.

8