عيد الأضحى في أفريقيا مناسبة لكفّ نزيف التعصب والغلو

الثلاثاء 2014/10/07
مسلمو أفريقيا استذكروا قيم الإسلام السمحة أثناء آدائهم لصلاة العيد شأنهم شأن جل مسلمي العالم

لندن - الصراعات المذهبية والطائفية التي أدمت بلدانا عدّة في القارة الأفريقية في السنوات الأخيرة، أرعبت النفوس وأربكت العالم وزادت من حيرته أمام ظاهرة التطرف والإرهاب. ظاهرة محركها الأساسي سياسي بامتياز، ومراحها الخصب غلو وتعصب باسم المعتقد مهما اختلفت الأديان والأماكن والمسميات، غير أنّ شرها كلّما ازداد، وجد أمامه صدّا منيعا يتناقض معه من حيث الجوهر والمضمون، يعلي دُعاته قيم التسامح والتعايش السلمي متى تسنت لهم الفرصة. هكذا كانت خطب عيد الأضحى الأخير مناسبة أخرى لدعاة السلام في البلدان الأفريقية لرد هذا الشر والدعوة إلى التعايش والتحابب بين أصحاب الديانات.

اتسم عيد الأضحى هذه السنة في أفريقيا، والذي احتفل به مسلمو العالم نهاية الأسبوع الماضي، بخصوصية شملت معظم بلدان القارّة التي تشهد صراعات طائفية ومذهبية تحركها أجندات سياسية في أغلبها. خصوصية نبعت من الظرف القاسي الذي تعيشه هذه البلدان، خاصة بعد أن انتشر فيها فكر التطرف والغلو الذي يتخذ من هذا الدين أو ذاك مطية له ومشرّعا لتكفير الناس وسفك دماء الأبرياء.

فقد تعالت أصوات الدعاة المعتدلين الذين يتناقضون مع دعوات التقتيل، من فوق المنابر، لتذكر الناس بقيم التعايش السلمي التي حضّت عليها جلّ الأديان. قيم اختلفت اللغات التي تحدّث بها أصحابها وتعددت المنابر التي احتضنتها، غير أنها اتّحدت جميعها في جوهرها الذي يعلي قيمة السلام في الأرض ولا شي غير السلام القائم على قاعدة المحبة والتسامح.

ففي رواندا التي شهدت إحدى أسوأ مجازر القرن العشرين، دعا نائب مفتي البلاد، الشيخ إياكاريمي سليمان، إلى اتّخاذ عيد الأضحى “مناسبة للحفاظ على وحدة المسلمين وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى”.

وقد خاطب، صبيحة يوم السبت في خطبة صلاة العيد، أكثر من 7 آلاف رواندي مسلم اجتمعوا في “الاستاد” الإقليمي بالعاصمة كيغالي، قائلا: “فلنحافظ على وحدتنا في عيد تاباسكي (الأضحى).. يقال عنّا إنّنا منقسمون، وإننا حتى في الحجّ، لدينا وفدين لمسلمي رواندا.. فلنثبت للجميع أننا متحدون ومتسامحون فيما بيننا، بل نحن متسامحون أيضا مع مواطنينا الآخرين من غير المسلمين”.

اختلفت اللغات التي تحدث بها الأئمة وتعددت المنابر التي احتضنت خطاباتهم، غير أنها اتحدت جميعها في جوهرها

ويعيش المسلمون في رواندا، والذين يمثّلون نسبة 10 بالمئة من جملة سكان البلاد (البالغين نحو 12 مليون نسمة)، وفقا للأرقام الرسمية، منذ أكثر من 3 سنوات، على وقع توتّرات ناجمة عن جملة الانقسامات صلب جمعية مسلمي رواندا، والتي تتولى حالياً نشاط العمل الإسلامي والتنسيق بين الاتحادات والجمعيات المسلمة في البلاد.

وبالنسبة للمفتي سليمان، فإنّ “القيم الروحية للعيد” تحثّ المسلمين على رفع تحدّي الوحدة، كما أنها تحضّ على الأخوة التي ينبغي أن تشعّ حتى على غير المسلمين، قائلا “يتحتّم علينا محبة أولئك الذين لا ينتمون إلى ديننا.. تقاسموا خلال أيام التاباسكي الثلاثة الأضاحي، لا تأكلوها لوحدكم.. تقاسموها مع الأغنياء وخصوصا مع الفقراء.. تقاسموها دون تمييز مع المسلمين أو مع غير المسلمين”.

أمّا في الكاميرون، فقد دعا رئيس الاتحاد الإسلامي في البلاد، إبراهيم مبارك مبومبو، مسلمي بلاده إلى محاربة مجموعة “بوكو حرام” المسلّحة التي تتخذ من الدين الإسلامي مطية لممارسة أعمالها الوحشية لتنزع عنه سماحته وتشوه صورته النقية.

حيث قال مبومبو، خلال خطبة صلاة عيد الأضحى، في مخيم برتود بدوالا، جنوب غربي الكاميرون، متوجّها إلى المئات من المسلمين: “الدم مقدّس والحياة مقدّسة أيضا، ولا أحد يمتلك حقّ إزهاق حياة الآخر، والهمجية محظورة في القرآن.

الحرب المقدّسة تعني أنه يتحتّم علينا محاربة الكراهية والتمييز.. على المسلمين إذن محاربة بوكو حرام ضمانا لأمن بلادنا الكاميرون”، مشدّدا على أنّ محاربة بوكو حرام الناشطة في منطقة أقصى الشمال الكاميروني تمرّ عبر “تجنّبها”، و”استنكار عمليات عناصرها” وكشف زيفها وخطأ القاعدة التشريعية التي تستند إليها التي لا تمتّ للإسلام بصلة.

تعالت أصوات الدعاة المعتدلين الذين يتناقضون مع دعوات التقتيل لتذكر الناس بقيم التعايش السلمي

كما دعا كبير أئمة منطقة الساحل الأفريقي المسلمين إلى العيش في سلام ووئام مع “إخوانهم من جميع الأديان والقبائل”، لافتا إلى أهمية تطبيق “الإسلام الحقيقي”، الذي ينبذ جميع أشكال العنف، قائلا: “ينبغي على المسلمين في الغرب والشرق والشمال والجنوب، محاربة الإرهاب المتمركز في أقصى المنطقة الشمالية للكاميرون.. علينا أن نعيش في سلام من الله”.

ومضى قائلا “عيد الأضحى يذكرنا بحتمية الموت. إنها ليست مجرد فرحة يصاحبها استهلاك اللحم، وإنّما هو حافز للعيش المشترك في تضامن مع الآخرين، ذلك أنّ الله يحبّنا حين نعيش في تناغم مع مخلوقاته”.

في ذات السياق، فقد احتفل مسلمو بوركينا فاسو، بعيد الأضحى تحت شعار “المحافظة على السلام”، في سياق الأزمة السياسية التي تشهدها البلاد، على خلفية انقسام الطبقة السياسية حول مشروع التعديل الدستوري.

وكان الرئيس البوركيني الحالي بليز كومباوري قد أشار في ديسمبر 2013 إلى إمكانية إجراء استفتاء حول الدستور يمكنه من الترشح لولاية جديدة وهو ما أثار حفيظة المعارضة وبعض أجزاء من المجتمع المدني.

وفي هذا الإطار قال رئيس مسلمي بوركينا فاسو، الحاج أداما ساكانديه، خلال خطبة العيد، متحدّثا إلى الآلاف من المسلمين المتجمّعين في ميدان الأمة بالعاصمة واغادوغو: “لا نمتلك أغلى وأهم من السلام، إذ ليس بإمكان أي مجتمع إدعاء التقدم والتناغم في سياق يتّسم بالصراع”.

وأضاف: “ندعو الطبقة السياسية التي تمكّنت، بفضل الله، من إرساء أسس الحوار، إلى التفكير في سلامة البوركينيين في المقام الأوّل، والبحث عن السلام على قاعدة حفظ إمكانات التعايش المشترك، لأنّهم حين يتشبّعون بهذه العناصر، فسيكون بإمكانهم إيجاد أرضية مشتركة”.

وفي سياق متصل، قال الأسقف المساعد لمدينة واغادوغو ليوبولد يدراوغو، إنّ عيد الأضحى يشكّل “رسالة سلام، لأنّ ابراهيم، وهو سلفنا جميعا، كان على استعداد للتضحية بابنه عن حبّ. إنها دعوة لنجعل الله محور حياتنا ونعيش في سلام”.

13