عيد الأم ينثر الفرحة ويشعل المواجع والآلام

مطالبة بضرورة إلغاء تخصيص يوم للاحتفال بالأم لأن المجتمع يقدر ويحب من حوله وبالذات الأم، لكن الاحتفال أصبح يتجه إلى الاستهلاك بعيدا عن قيم المحبة والتعاطف.
الأربعاء 2018/03/21
عطاء لا يتوقف

عمّان - تضحيات الأم لن تتوقف، وفي عيدها نستذكر تضحيات وعطاء الأمهات اللواتي يغرسن في نفوس الأبناء معاني الحب والعمل والبناء، ويتفانين في الحب والعطاء والصبر في مسيرة التربية وبناء الأسرة.

ويشارك الأردن اليوم الكثير من دول العالم في الاحتفال بعيد الأم، وتؤكد ملك الكايد، مديرة حضانة، الدور الحيوي والمهم الذي تقوم به المرأة العاملة في إنجاز عملها بكفاءة واقتدار، مشيرة إلى أن هذا اليوم يعتبر استذكارا لجهود المرأة والأم في مختلف مواقعها والمجالات التي تعمل فيها بعد أن وصلت إلى أغلب المهن.

وقالت "إن الكلمات والحروف تعجز عن التعبير عمّا بداخلنا لأعظم إنسانة في الكون، فهي من أنارت طريق حياتنا، وأرشدتنا للصواب، وتحمّلت متاعب ومصاعب الحياة من أجلنا، وسهرت الليالي لأجل راحتنا وتحمّلت الأعباء من أجل إسعادنا"، لافتة إلى أن الأمهات العاملات في الحضانة يقمن برعاية الأطفال وتقديم ما بوسعهن لرسم الفرحة على وجوههم.

ويقول الطفل راشد زيدان ذو الأربعة أعوام، إنه ينتظر عيد الأم لتقديم الهدية التي قام بشرائها لوالدته وأخرى لمربيته، إضافة إلى ارتداء الملابس الجميلة في هذا اليوم ومشاركة أصحابه في الاحتفال.

 

رغم مكانة الأم العالية في الأسرة والمجتمع وخاصة بين أبنائها، إلا أن تخصيص يوم للفرح بهذه المناسبة ربما يؤذي مشاعر آخرين حرمتهم الأقدار حنان الأم، أو ربما العكس من ذلك حيث هناك أمهات محرومات من حنان أبنائهن

إلا أن هناك العديد من الأطفال حرمهم القدر من حنان الأم، لأسباب عديدة منها انفصال الوالدين عن بعضهما، إذ تقول الطفلة ياسمين إنها لا تشعر بفرحة هذا اليوم، لكونها بعيدة عن والدتها، ولا تستطيع تقديم الهدايا لها تعبيرا منها عن حبها وشكرها لما قدمته لها من رعاية وحنان في صغرها.

وتشاركها الطالبة رزان الياسين نفس الشعور والتي فقدت والدتها وهي في ريعان شبابها، إذ تقول إن "فقدان الأم لا يعوضه أي شيء في العالم، فهي من أنجبت وسهرت وتعبت وصبرت من أجل تربية أبنائها”، مضيفة “أشعر بالحزن كل عام عندما أشاهد صديقاتي يقمن بشراء الهدايا لتقديمها لأمهاتهن، ولا أكون مثلهن لأرسم الفرحة على وجه أمي ولتقوم هي بتقبيلي، إلا أنني بدلا من ذلك أذهب إلى قبر أمي في هذا اليوم وأدعو لها بالرحمة والمغفرة".

بينما تقول أم جمال التي وضعها أبناؤها في إحدى دور رعاية المسنين، إنها لا تشعر بذلك اليوم ولا تحب أن تتذكره، نظرا لأن ما بذلته من عطاء وجهد في تربية أبنائها لم يثمر حيث تمت مكافأتها لتكون بين المسنين في دور الرعاية، مؤكدة على ضرورة تنشئة الأطفال وغرس قيم الأمومة في نفوسهم، ومهما حصل من صعوبات في الحياة يجب عليهم عدم ترك والديهم في مهب الريح.

ويتزامن عيد الأم مع صبر أم هاشم وزوجها، وتحدّي ابنتهم هبة الله لتجعل من هذه الأسرة مثالا للصبر والعطاء والتضحية، فمن فوق درجات تزيد على المئة والخمسين درجة في إحدى مناطق جبل عمان القديمة، تحث أم هاشم الخطى تحمل ابنتها هبة الله بين يديها.. مثقلة بكل الهموم، وتتحدّى كل الصعاب، تقصد بحملها الثقيل مدرسة جبل عمان الأساسية للبنات، لتلاقي ابنتُها التي تعاني من تشوهات خلقية قريناتها.

ولا تأبه آمنة علي (أم هاشم) بالتعب ولا للحمل الثقيل، فابتسامة ابنتها تساوي عندها الكثير لتسجل بذلك صورة من صور تضحيات الأمهات، فهي الأم الصابرة المثابرة، التي تبذل كل ما بوسعها لتخفف عن ابنتها آلامها النفسية والجسدية التي تعاني منها منذ ولادتها.

وتعاني هبة الله من مرض نادر على مستوى العالم، يؤدي إلى تشوه خلقي في عظام اليدين والساقين وأصابع القدمين، فمنذ أن كانت جنينا في بطن أمها أخبرها الأطباء بأن ابنتها تعاني من تشوهات خلقية، إلا أنها بغريزتها التي طغت على كل جوانب حياتها تمسكت بحملها وكانت ابنتها هبة الله.

وتحرص الأم على أن تعيش ابنتها أجواء المدرسة رغم أنها مسجلة في وزارة التربية والتعليم بـ”التعليم المنزلي” بسبب حالتها الصحية، وتقول “لا أقدر أن أبعدها عن التعليم في المدرسة حيث تتفهم المعلمات حالتها، ويستقبلنها بكل سرور، ولا يمكن أن أبعدها عن مقاعد الدراسة، وهي أيضا لديها الإصرار على ملاقاة زميلاتها في الدراسة كل فترة، وفي هذا الشهر اضطررت لأن أحضرها إلى المدرسة لأداء الامتحان الشهري على الرغم من إعفاء المدرسة لها”.

ويقول أمين الملكاوي والد الطفلة، "إنني أظل قريبا من البيت لألبي احتياجات الأسرة، خاصة في حال حدوث طارئ، فأقوم بمساعدة زوجتي في رعاية ابنتي وطفليّ الآخرين".

وبينت أستاذة علم الاجتماع الدكتورة عبلا الوشاح أن المنظومة القيمية المجتمعية والدينية ركزت على قيمة الأم في السلوكيات والتعامل اليومي، مشيرة إلى أن القيم الوجدانية تؤكد على أهمية الأم والأسرة، وهذا شيء فطري ولدنا وتربينا عليه وهو تحصيل حاصل في سلوكنا اليومي.

غرس قيم الأمومة في نفوس الأطفال ضروري، ومهما حصل من صعوبات يجب عليهم عدم ترك والديهم في مهب الريح

 ولفتت إلى أهمية تعزيز قيم الترابط الأسري بشكل متساو وكامل بين الأبناء، مشيرة إلى ضرورة إلغاء تخصيص يوم للاحتفال بالأم لأن الأصل أننا مجتمع يقدر ويحب من حوله وبالذات الأم التي تظل معنا طوال السنين.

وقالت الوشاح إن مثل تلك الاحتفالات المتنوعة يجب أن تكون لها قيمتها، بحيث لا تستغل من قبل التجار وأصحاب المحلات التجارية في الترويج لمنتوجاتهم، حيث نرى أن هذا اليوم أو غيره يأخذ مسارا مختلفا يتجه به إلى الاستهلاك بعيدا عن قيم المحبة والتعاطف، مؤكدة أن تخصيص يوم للاحتفال بالأم يشعل المواجع والآلام، لدى العديد ممن فقدوا أمهاتهم ولا يستحب أن نؤذي بعضنا بمثل تلك المناسبات

جدير بالذكر أن أغلب الدول العربية تحتفل بعيد الأم في 21 مارس من كل عام، وينتهز الكثير من سكان المنطقة الفرصة لإبداء عبارات التقدير للأم في هذه المناسبة الجميلة لتذكر تضحياتها من أجل تنشئة أبنائها، إلا أنه ليست كل الدول المنتمية إلى جامعة الدول العربية تحتفل بعيد الأم في هذا التاريخ.

وتحتفل دول المغرب والجزائر وتونس بهذا العيد في الأحد الأخير من شهر ماي من كل عام، وليست الدول المغاربية الثلاث وحدها التي تحتفل في العالم بعيد الأم في هذا التاريخ، فالأمر يتكرّر في فرنسا، والسويد، وجمهورية الدومينيكان، وهايتي، ومدغشقر.

ويختلف يوم عيد الأم بشكل كبير عبر العالم، فغالبية الدول تعتمده في شهر ماي، وعدد مهم منها تتخذه في الأحد الثاني من هذا الشهر كالولايات المتحدة، وهناك من يعتمده في الأحد الأول كإسبانيا، وهناك من يعتمده في الثامن من نفس الشهر مثل كوريا الجنوبية، كما توجد دول أخرى اختارت هذا اليوم بعيدا عن شهر ماي مثل روسيا التي تتخذه في الأحد الأخير من شهر نوفمبر.

21