عيد المرأة وتاريخ العنف

الثلاثاء 2016/03/08

منذ فجر التاريخ شكلت المرأة سرا ولغزا صعبا في تحديد وجودها، وتعددت رموز الأنوثة بين المرأة الأم حاملة الحياة واستمرارها التي تميّزت فيها عن الإله الذكر، وبين الأنثى الجميلة المغرية وما رافقها من صفات، واتخذت المرأة ومكانتها وجوها متنوعة، وشكلت في التاريخ القديم لبعض الحضارات عنوانا راسخا وخط اسمها في صفحات التاريخ من ماري وإيبلا وأوغاريت، إلى زنوبيا التي حكمت دولة تمتد من الفرات إلى البحر المتوسط، وأليسار الملكة السورية التي أسست قرطاجة على البحر المتوسط وحفيدها هنيبعل الذي طرق أبواب روما يوم كانت تتحكم بثلاثة أرباع العالم القديم.

انتهى زمن الأساطير القديمة واختلفت صورة المرأة، من الإله الأنثى الموازية للإله الذكر في تنظيم الحياة وخير البشر، إلى المرأة الضلع في حكاية الخلق التي ربطتها بالخطيئة الأصلية، وتحولت فيها المرأة من صورة الإله إلى الخاطئة التي سوّغت الخطيئة للذكر، والتي أنهت النظام القديم وأبعدت المرأة عن المشاركة باتخاذ القرار لتنظيم المجتمع والسعي إلى الكمال، وافتتحت عصر الثقافة الذكورية البحتة على الأرض وفي السماء، وابتدأت حكاية العنف، فالعنف الذي شكل مظهرا من مظاهر الحياة لكل الكائنات رافق مسيرة البشر أينما وجدوا، وتطور مع تطورهم، وتنوعت أشكاله من العنف السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأسري، إلى العنف ضد الأطفال والمرأة والذي كان أكثر تأصّلا، وتعددت وسائله وأساليبه، فالعنف هو القسر والإكراه للقيام بفعل ما أو التوقف عن فعل ما.

تنوعت أساليب العنف التي تعانيها المرأة، بدءا بالفم كأول أداة يستعملها الإنسان منذ الطفولة، للعدوان اللفظي كذلك العين واليد، وإننا بمفاهيمنا البسيطة نصف أحيانا الكلمة بأنها جارحة، والنظرة بأنها مميتة، واللمسة بأنها مؤلمة، إلى ما أسسته الأديان بإعطائها الأولوية للرجل (بالوجع تلدين أولادا، إلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك.. أيتها النساء اخضعن لأزواجكن كما للرب.. الرجال قوامون على النساء..). والتقاليد تعطيه الأفضلية (وأد البنات، تجلب العار، ناقصة عقل ودين...). والقانون يعطيه الأفضليـة (الزواج، الطلاق، الميراث..)، والتي ساهمت، في مجملها، في تغييب المرأة عن الفعل، وإخضاعها لجملة من المعطيات الثقافية والمجتمعية التي تنزع عنها حقها في الوجود والتعبيـر واستقلاليـة القرار.

وتكثر العناوين المهينة للمرأة ولوجودها من الاستغلال الجنسي والاغتصاب، إلى زواج القاصرات، إلى العنف بأشكاله كافة وانتهاك الحقوق، والتي سجلت حاليا العنوان الأشد فجاجة إذ فتحت أسواق النخاسة والاتجار بالنساء متخطية بما تحمله من معان مهينة على المستويين الجسدي والأخلاقي الأعراف والقوانين والمحرّمات التي أنتجها التطور الحضاري، والتي أسقطت الجميع في فخ التاريخ المنصرم، حيث تسود مملكة الرجل وحكاية السيّد والجارية وتأصيل العنف، فألّا تكون هناك كدمات على أجساد النساء لا يعني أنهن نجون من العنف والقهر الذي يمارس عليهن كل يوم وتعانين بصمت، أو بصوت لا صدى له، في مجتمعات لم تقرّ التعاطي معها حتى الآن كإنسان.

أن يكون هناك يوم عيد عالمي للمرأة لا يلغي تاريخا من المكانة الملتبسة التي احتلتها، ولا يعني أنها نالت حريتها وعادت لنديّتها في خلق التوازن المجتمعي، فالمرأة (الأم والزوجة والأخت والابنة) لم تخرج يوما من دائرة العنف وفنونها وشرائعها رغم مظاهر التمدن ومجموعة القوانين التي تعنى بحقوق الإنسان (الرجل والمرأة) والتي تم تبنيها في دول العالم قاطبة، إلا أنها لم توقف الانتهاكات، فصراع المرأة مستمر ليس مع الرجل إنما مع موروث اجتماعي بنيت هياكله في العقول، ولن يتم الخلاص منه إلا بثورة معرفية حقيقية تكسر جدرانه السميكة.

كاتبة ورسامة سورية

9