عيد تونسي تاسع سقط فيه الراكبون على موجة الثورة

الشعب التونسي يحاول الدفع نحو خلق عناوين جديدة للثورة في ذكراها التاسعة والتي تتزامن مع تغيّر سياسي غير مسبوق ربما سيقلب هرم السلطة رأسا على عقب.
الأربعاء 2020/01/15
انطلاقة جديدة

أحيا التونسيون، الثلاثاء، الذكرى التاسعة للثورة وسط أجواء سياسية مشحونة وتبدّلات مرتقبة في موازين القوى بعدما تم إسقاط حكومة الحبيب الجملي المدعومة من حركة النهضة في البرلمان. حدث سياسي هام سيطر على جل نقاشات الرأي العام في مختلف الساحات العامة التي غصّت بحشود المذكّرين بأهداف الثورة على نظام زين العابدين بن علي في 2011، والمتسائلين في الوقت نفسه عمّن سيحكم تونس في السنوات الخمس المقبلة بعدما خسرت حركة النهضة لأول مرة منذ قرابة عقد خيوط إدارة وهندسة الخارطة السياسية وتحديد من سيحكم ومن سيعارض.

تونس- على غير العادة خرج التونسيون، الثلاثاء، إلى شارع الحبيب بورقيبة وساحة محمد علي (المقر التاريخي لاتحاد الشغل)، للاحتفاء بالذكرى التاسعة لثورة يناير 2011، ليس فقط لتسجيل الحضور المعتاد أو لتذكير السياسيين بأن ثورة شعبية قد حصلت في يوم ما.

لقد توافدت الحشود على شارع بورقيبة وهو رمز الثورة، وهي تدرك أن عيدها الوطني هذه المرة يأتي في ظرفية مغايرة لما سبق، كونه يحمل في طياته بوادر تغيرات وتحولات كبرى في بنية الطبقة السياسية التي ستحكم البلاد مستقبلا في السنوات الخمسالمقبلة.

تقريبا، باستثناء الذكرى الأولى أو الثانية للثورة في أعوام 2012 و2013، حيث كان التونسيون يقبلون على الاحتفاء بثورتهم المطلبية في أساسها والتي رفعت شعارات “شغل، حرية، كرامة وطنية”، تغيّرت في ما بعد معركتهم أو حتى طريقة حضورهم في كل يوم 14 يناير من كل عام إلى معركة تتلازم فيها المطالب بين اجتماعية تطمح لتغيير يكون فيه العيش أفضل وأخرى سياسية همّها الوحيد المحافظة على نهج الدولة المدنية. لكن، ما الذي حصل في الذكرى التاسعة؟ وماهو السبب الذي جعل هذه الذكرى تبدو أكثر تفاؤلا رغم أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تبدو أكثر قساوة من ذي قبل؟ ورغم أن الفعل السياسي بات معطّلا ومصطدما بالمطبات والإكراهات بعدما فشلت الطبقة السياسية المنتخبة في تشكيل حكومة تراعي خصوصية تونس وتلبي تطلعات شعبها.

نورالدين الطبوبي يدعو إلى تحقيق أهداف الثورة
نورالدين الطبوبي يدعو إلى تحقيق أهداف الثورة

تتراكم التحولات في الذكرى التاسعة لعيد الثورة التي جعلت الناس يحنون إلى زخم بدايات انتفاضتهم التي كانت موحّدة وغير مقسّمة للشعب على أساس الأيديولوجيا، حيث تزامنت هذه المناسبة مع تغيّر سياسي غير مسبوق طيلة تسع سنوات ربما سيقلب هرم السلطة رأسا على عقب، وربما سيؤول في المستقبل القريب إلى إنهاء تجربة تفرّد واستحواذ حركة النهضة الإسلامية على إدارة الشأن العام لوحدها أو ربما دفعها نحو المعارضة.

دار كل الحديث مرورا ببطحاء محمد علي (معقل الاتحاد العام التونسي للشغل) التي تحدث منها الأمين العام لاتحاد للشغل نورالدين الطبوبي عمّا هو مطلوب لتحقيق أهداف الثورة، وصولا إلى المقاهي المتاخمة لشارع الحبيب بورقيبة، عن سقوط حكومة الحبيب الجملي في البرلمان ومن ورائه الوضع غير المسبوق لحركة النهضة التي لم يعد بإمكانها أن تسيطر على مستقبل البلد لوحدها بعدما تم تحويل ملف الحكومة القادمة إلى الرئيس قيس سعيّد المحمول عليه دستوريا أن يكلف من يراه مناسبا لتكوين حكومة التونسيين الجديدة.

على غير العادة، كان الطبوبي في ذكرى الثورة يطل من شرفة مقر الاتحاد ليخاطب الشغالين والتونسيين وليتحدث عن الاستحقاقات الاجتماعية والاقتصادية وعن مماطلات الحكومة، لكن التطورات السياسية التي حصلت هذه المرة حتّمت عليه تغيير نسق كلامه وشكل خطابه ومضمونه ليكون متّسقا مع لحظة سياسية بامتياز ربما ستطيح بمن يصفهم التونسيون بأنهم “الراكبون على موجة الثورة”.

دعا الطبوبي الطبقة السياسية التي نجحت في الانتخابات التشريعية للتسريع في تشكيل حكومة يكون هدفها الأساسي تلبية تطلعات أبناء الشعب، كما أنه لم يفوّت فرصة التفاعل مع بوادر تشكّل مشهد سياسي بتطرقه لمسائل هامة وحارقة، أبرق من خلالها رسائل سياسية هامة موجهة تحديدا لحركة النهضة.

وقال الأمين العام لاتحاد الشغل في ما قال موجّها رسائله ببعدين محلّي وإقلّيمي للنهضة “إن تونس أكبر من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، سيادة تونس خط أحمر ولا ولاء إلا لتونس”.

ويأتي هذا الموقف الذي عبّر عنه اتحاد الشغل بعد الجدل الذي أثارته زيارة رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي بصفته رئيسا للبرلمان التونسي إلى تركيا ولقاء أردوغان سويعات فقط بعد سقوط حكومة الجملي المدعومة من النهضة في مجلس نواب الشعب.

أما عن تفاعل الشارع مع التحوّلات السياسية الجديدة، فقد دار جل الحديث وتلخصت جل الشعارات تقريبا إما في شارع بورقيبة أو على محامل مواقع التواصل الاجتماعي حول ساعة تغيير دقّت ستصنع ربيع انتفاضة جديدة، لكن بالديمقراطية، تجعل النهضة ومن خلفها بعض الكتل البرلمانية المتهمة بأنها سلفية كائتلاف الكرامة تتموقع على هامش الحكم بعدما رفع البعض يافطات كتب عليها “لا لاعتداء الغنوشي على السيادة الوطنية”.

لا ولاء إلا لتونس
لا ولاء إلا لتونس

وكانت مناسبة إحياء الذكرى التاسعة للثورة مدخلا أساسيا ومبحثا هاما طرح الكثير من الأسئلة الجدالية التي يبقى من أهمها: هل ضمت الثورة الجميع حقا؟ وهل غيرت واقع الجياع والمهمشين؟ وماذا قدّم حكام ما بعد الثورة لتحقيق أهدافها؟

تصر الأحزاب السياسية المنافسة للنهضة والناشطون المعاصرون لما حدث في 14 يناير 2011 على أن الإسلاميين لم يكن لهم تواجد هام أو مشاركة تُذكر في الاحتجاجات على نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، وعلى حقيقة أن ما قاموا به فقط هو الركوب على موجة الثورة، ومن ثمة افتكاك شعاراتها لكن دون تحقيقها على أرض الواقع.

يعاد طرح هذه الأسئلة، بعدما قدمّت النهضة نفسها خاصة لدى مفاوضات تشكيل حكومة الجملي على أنها أحد أهم روافد الثورة، بدعوتها إلى وجوب تشكيل حكومة ثورية تُستبعد فيها بقية المكونات التي تنعتها بأنها تتبع النظام القديم.

 لكن النهضة أسقطت وفق جل الملاحظين عن نفسها صفة “الثورية” بصفة تامة حين انقلبت على مواقفها وحين حوّلت رئيس حزب قلب تونس نبيل القروي من خصم متهم بالفساد ومن بقايا النظام القديم إلى شريك ولاعب سياسي هام يجب التحالف معه، وهو ما لم يحصل في البرلمان بعدما وجّه القروي ضربة قاضية للإسلاميين بدعوة كتلته البرلمانية لعدم التصويت لحكومة الجملي.

إن التخلص من أعباء قرابة عقد تلا الثورة لم يربح منه التونسيون سوى الشعارات والوعود، لا يتعلق فقط وهم يحيون ذكرى ثورتهم بما حدث مع النهضة، بل يشمل أيضا بعض الأطراف السياسية الأخرى خاصة منها اليسارية والتقدمية والقومية التي التحفت بعباءة الثورة على قاعدة “النضال” ضد النظام السابق دون أن تقدم بديلا حقيقيا يكون مواكبا لما يصبو إليه الشارع التونسي من تبدّل تام للوضع الاقتصادي الخانق.

لا حديث سوى عن سقوط حكومة الجملي والوضع غير المسبوق لحركة النهضة المهدّدة بالخروج من الحكم

ويذهب طيف واسع من الشعب التونسي في هذه الذكرى إلى الدفع نحو خلق عناوين جديدة لثورتهم ترنو إلى التخلّص من خطابات الشعارات ومن كل طرف يريد أن يضع يديه ليستحوذ أو يتملّك الثورة دون موجب حق، وذلك بالعودة إلى المربع الأول الذي يتحدث عن أن انتفاضة 2011 كانت عفوية وخالية من أي نفس سياسي أو زعامة يحق لها اليوم أن توهم الناس بأنها قادت الشارع المحتج في شارع بورقيبة، أو في مختلف المناطق الداخلية المهمشة.

وترجم التونسيون هذا التوجّه الجديد، حين أقصوا في الانتخابات التشريعية أواخر عام 2019 أحزابا تقليدية، اليسارية بالأساس التي كانت ممثلة في الجبهة الشعبية، التي خرجت مهزومة وباتت على حافة الاندثار كونها لم تكن ملتصقة بهموم الناس بقدر ما تمترست وراء سلاح الأيديولوجيا بأدوات السبعينات والثمانينات التي فاتها قطار الزمن.

وفي انتظار ما ستؤول إليه مباحثات قصر قرطاج بقيادة الرئيس قيس سعيّد الذي وصل بدوره إلى سدة الحكم برفع أهم شعار لثورة يناير 2011 “الشعب يريد” بشأن الشخصية التي سيتم تكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، بدا التونسيون غير معنيين بماضي من سيكلف بالمهمة بقدر ما يهتمون بقدرته على التغيير.

لتصبح الثورة الحقيقية في تصوّر التونسيين غير مرتهنة لماضي النضال أو غيره، بل مبنية على مفاهيم الثورة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ليكتمل المشهد الذي حلم به الرأي العام في انتفاضة أواخر عام 2010 وبداية 2011.

6