"عيد داروين".. حياتنا رهينة نقرة على لوحة مفاتيح

حولت شبكة الإنترنت التي تربط العالم أجمع، مستخدميها إلى كتل صماء وأضاعت نسبة من تركيزهم! هل يصح ذلك فعلا؟ نعم، لقد أثبتت دراسات حديثة أن تصفح الإنترنت غيّر من صفات مستخدميه وزادهم غباء في عصر بات فيه الإنسان لا يحتاج إلى أن يصرف فيه الكثير من الجهود على التفكير. بل أصبح يعتمد بدرجة كبيرة على الإنترنت لتفكر بالنيابة عنه، وأن تجمع له ما يريد من المعلومات، دعما للرأي القائل إن “كل شيء يتم بمجرد نقرة”.
السبت 2017/02/18
مواقع الكترونية توقع المزيد من المستخدمين في فخ الأخبار الزائفة

لندن - “عيد ميلاد مجيد”، عيد مولد سعيد، عيد حب بهيج، عيد داروين.. مهلا، لكن ماذا يعني “عيد داروين”؟

لقد تصاعدت مؤخرا أصوات تطالب بتخصيص يوم في السنة يطلق عليه “عيد داروين” للاحتفال به إلى جانب أعيادنا الكثيرة. آخر المطالبين الصحافية لورين غيلمور في مقال نشره موقع “ذا نيكست ويب” المتخصص في التكنولوجيا، هذا الأسبوع.

وتقترح الكاتبة “عيد داروين” نسبة إلى العالم البريطاني تشارلز داروين صاحب نظرية التطور، التي تنص على أن الكائنات الحية تتغير مع مرور الوقت نتيجة التغيرات في الصفات القابلة للتوريث أو السلوكية، وأن “الأنماط المتفرعة من تطور البشر ناتجة عن عملية وصفها بالانتقاء الطبيعي”.

وسبب المقترح الذي قدمته الكاتبة هو أن الغزو التكنولوجي الكبير غير صفات الإنسان بل وفصله عن الواقع بشكل متزايد وجعل من المجتمع يبدو “غبيا” يوما بعد آخر.

لقد اخترعت الشبكة العنكبوتية منذ أكثر من 25 عاما، ولكن بات من الصعب أن نتخيل الحياة من دونها.

وإن كان أحدنا يعيش في الخارج، فقد أصبح قادرا بفضل الإنترنت على البقاء على اتصال مع الأهل والأصدقاء في جميع أنحاء العالم.

وفي عالم مترامي الأطراف، مكنتنا شبكة الإنترنت من الوصول الفوري إلى عدد لا يحصى من المعلومات، كان من المستحيل الحصول عليها لولاها.

لا أحد ينكر ما قدمته شبكة الإنترنت من خدمات كبيرة للبشرية، لكن رغم ذلك لا تخلو من سلبيات تؤثر في بناء المجتمعات، فما الذي فعلته الإنترنت بالمجتمع؟

هل سألت نفسك كم ساعة تقضي أمام شاشة الكمبيوتر أو الهاتف الذكي تقرأ تدوينات الآخرين أو إشارات الإعجاب التي نلتها على صورك على فيسبوك، أو مدى تفضيل متابعيك لتغريدات نشرتها على حسابك على تويتر. لقد أصبح الأمر اعتياديا يشبه التنفس. لكن هل يتذكر أحدنا كيف وصلنا إلى هذه النقطة؟

يحاول الإنسان من خلال الإنترنت، حسب غيلمور، أن يرتبط بالجميع، وأن يكون في كل الأماكن في وقت واحد، لكنه عادة ما يفشل في الارتباط بالواقع الاجتماعي والناس المحيطين به.

وتشير الكاتبة إلى مقولة للفيلسوف والكاتب المسرحي الروماني سينيكا الذي قال “أن تكون في كل الأمكنة، فهذا يعني أنت لست في أي مكان”.

لقد كان الكاتب الأميركي نيكولاس كار أول من استخدم هذه المقولة في كتابه “السطحية: ما يفعله الإنترنت بأدمغتنا”، الذي كان من بين المرشحين النهائيين لجائزة البوليتزر، عام 2010.

وأشار كار إلى أن التكنولوجيا تحث الاضمحلال الفكري لأدمغتنا، وعلى الرغم من أن هذه الإدعاءات قد تكون استفزازية، ولكنها نتائج مدعومة بأدلة وافرة في علم الأعصاب.

وتابع كار “تمنحنا شبكة الإنترنت القدرة على النفاذ السهل إلى كمية غير مسبوقة من المعلومات”، لكن الدراسات تثبت أن “الأشخاص الذين يقرأون نصوصا محشوة بالروابط، يفهمون أقل ممن يقرأون نصوصا تقليدية أفقية”، أي مطبوعة. كما أن الذين يشاهدون عروضا متعددة الوسائط يتذكرون أقل ممن يأخذون المعلومات بطريقة مركزة. وعلى المنوال ذاته، فإن الأشخاص الذين يتشتت انتباههم باستمرار، سواء عبر الرسائل أو البريد الإلكتروني أو غيرهما.. “يستوعبون أقل ممن بإمكانهم التركيز” بلا أي عوامل تشتيت.

ظهور أمراض نفسية خطيرة مع ظهور الإنترنت والتطور التكنولوجي، حيث احتل "مرض" الغباء مرتبة متقدمة من جملة هذه الأمراض

كما أن الأشخاص الذي يؤدون مهام عديدة هم أقل إبداعا وإنتاجية من أولئك الذين ينجزون عملا واحدا على حدة.

وكشفت مجموعة من الدراسات والأبحاث العلمية الحديثة ظهور أمراض نفسية خطيرة مع ظهور الإنترنت والتطور التكنولوجي، حيث احتل “مرض” الغباء مرتبة متقدمة من جملة هذه الأمراض.

بدورهم أكد الأطباء النفسيون، أن محركات البحث، تساعد بنسبة كبيرة جدا في تحويل الناس إلى أغبياء بالتدريج.

وبسبب سهولة الوصول المستمر للمعلومات، تجعل محركات البحث الدماغ أقل قدرة على الاحتفاظ بالمعلومة لمدة طويلة،

وأضافوا “إذا كان استخدام محرك البحث يضعف الذاكرة، فإن الاستخدام المفرط لمحركات البحث وبالخصوص غوغل قد يؤثر على الدماغ بشكل سلبي أكثر مما يتصوره أي أحد منا”.

واستشهد كار بمقولة للفائز بجائزة نوبل عالم الأعصاب إريك كاندل التي جاء فيها “عندما ننتبه جيدا إلى معلومة جديدة، عندها فقط يمكننا ربطها ربطا هادفا ومنتظما مع معرفة راسخة في الذاكرة”، مشيرا إلى أن “أدمغتنا غير قادرة على صياغة وصلات عصبية قوية ومتمددة عندما يكون عقلنا مشتتا باستمرار على الإنترنت”.

وكشفت دراسة أجرتها جامعة ستانفورد أن أفكارنا تصبح مشتتة مع تعدد المهام خصوصا حين يتعلق الأمر بالتنقل بين المواقع الإلكترونية، وفحص البريد، وكتابة الرسائل، وتلقي المعلومات كلها في وقت واحد.

ووفقا للدراسة يصبح من الصعب على الإنسان في الفضاء الافتراضي أن يميز بين المعلومات المهمة والأشياء التي لا قيمة لها.

وهذه النتائج، كما قال كار “أدهشت” الباحثين، الذين كانوا يفترضون أن من يقوم بأعمال عديدة على الإنترنت “يكتسب مزايا عقلية إضافية”. فالاختبارات أثبتت أن هؤلاء “لم يجيدوا، حتى القيام بالمهام العديدة المنوطة بهم”، وكانوا إلى حد كبير “أقل مهارة في الانتقال بين المهام، مقارنة بأولئك الذين كانوا مكلفين بالقيام بمهام أقل”.

ومن جانب آخر، بات من الصعب التنقل داخل الإنترنت من دون أن تواجهك الأخبار الزائفة التي بدأت في الازدياد خلال الآونة الأخيرة.

نيكولاس كار: الأشخاص الذين يقرأون نصوصا محشوة بالروابط، يفهمون أقل ممن يقرأون نصوصا تقليدية

واستنادا إلى مقال غليمور الذي نشر هذا الأسبوع، يبدو أنه بعد أن فقد مصطلح ما يسمّى بـ”النقرة الطعم” أو “Clickbait” سحره ورونقه، استخدم بعض الناشرين أسلوبا آخر لزيادة عدد الزائرين إلى الموقع.

ويرى هؤلاء أن الأخبار المضللة أو الزائفة تزيد من عدد الزيارات للمواقع الإلكترونية. ويسمح الإنترنت للجميع بنشر أو تدوين ما يرغبون فيه، وهذا أدى إلى نوع من الرغبة في تلقي الأخبار المضللة.

ويلقي الناس باللوم بسرعة على مواقع الإنترنت والناشرين في هذا الموضوع، ولكن يبدو أن الناس تتحمل الجزء الكبير في هذه القضية، بحسب المقال الذي يقول “إن السبب هو فشل الناس في التمييز بين المواقع الرصينة والأخرى غير الدقيقة”. وفي حقيقة الأمر، تتحمل الصحافة المهنية أيضا جزءا مهما من المسؤولية، فقد مهدت أزمة الصحافة الطريق لظهور العديد من المواقع الإلكترونية التي تفتعل أخبارا زائفة وتقدمها لجمهور متعطش لتغذية تحيّزه وأفكاره المسبقة.

وبذلك فقد الصحافيون جوهر عملهم إلى درجة أن المعلومات الزائفة والإشاعات، أصبحت أكثر أهمية من الحقيقة المثبتة.

كما بات الصحافيون، يخضعون لسيطرة دكتاتورية “المواضيع المتداولة”، بالإضافة إلى تأثيرات فترة “الذروة” الإعلامية للخبر. ونتيجة لذلك، ضاع الهدف الرئيسي للصحافة، الذي كان يتمحور حول “تخليص الإنسان من غباء اكتسبه على الإنترنت”.

وبالنسبة إلى رامون لوبو، الصحافي الإسباني الذي عمل مراسل حرب لمدة 20 سنة، فمسؤولية نزع السلاح الأخلاقي للصحافة المهنية، ذنب تتحمله وسائل الإعلام في حد ذاتها. ولعل أبرز شاهد على تواطؤ وسائل الإعلام هو استبدالها للمصداقية بالطاعة والخضوع إلى الممولين والشركاء.

18