عيسى حسن الياسري شاعر لم يتنكر لديوانه الأول

علاقة حميمية ما بين الشاعر حسن الياسري وقريته جعلتها حاضرة في ذاكرته ووجدانه لا يمل من كتابتها حيث تحضر بشخوصها وأماكنها رغم سنوات المنفى والاغتراب.
الاثنين 2018/03/19
القرية حالة مرضية مزمنة

عيسى حسن الياسري شاعر عراقي صاحب تجربة شعرية ثرية يتجاوز عمرها أربعة عقود، تغيرات مجتمعية وسياسية في وطنه أثّرت بشكل مباشر على مسيرة حياته وساهمت في إضفاء طابعها المميز على شِعره الذي جاء مفعمًا بالعزف على أوتار آلام إنسانية غائرة ولّدتها شجون الوطن ونوستالجيا القرية التي شهدت طفولته.

المنفى والشعر

تحضر عوالم القرية بشخوصها وأماكنها ونوستالجيا فترة إقامته بها في قصائد الياسري رغم سنوات المنفى والاغتراب، علاقة حميمية ما بين الشاعر وقريته جعلتها حاضرة في ذاكرته ووجدانه لا يمل من كتابتها. يقول الياسري “القرية هي طفولتي، واللبنة الأولى في تشكُّل تجربتي في الشعر والحياة، لذا ظلّت هي الحضور والإقامة الدائمة بعد أن ابتعدت عني أشياء كثيرة، أنا لا أحن إليها فحسب بل أعيشها بكل تفاصيلها كما لو كانت حالة مرضية مزمنة”.

الكثير من الكتاب والشعراء العرب التجأوا إلى الابتعاد عن قراهم ومدنهم وأوطانهم والاحتماء بالمنافي، مناف قد تقدم لهم الرعاية وغيرها، لكنها رغم ذلك تسلبهم الكثير من أحضانهم الأولى التي تبقى حنينا جارحا. “العرب” كان لها حديث مع الشاعر العراقي المغترب عيسى حسن الياسري حول تجربته الشعرية وحكايات المنفى

من العراق إلى الأردن ثم الإقامة في كندا؛ سنوات من الترحال والاغتراب تأثر بها الشاعر وعلقت آثارها بقصيدته. هذا الترحال والاغتراب المؤلم لم يكونا وليدَيْ خيار مُترف إنما جاءا اضطرارًا. يوضح الشاعر أنه بعد الحروب العبثية التي وقع ضحيتها العراق، وبعد فرض الحصار عليه، كان أمام خيارين؛ إمّا أن ينضم إلى جوقة الشعراء المرتزقة وإما أن يجد عملا ينقذ عائلته من غائلة الجوع، وكلمته من الانحناء، وهكذا انتقل من عمله في الصحافة، ليعمل كاتب عرائض أمام إحدى المحاكم في بغداد من 1992 – 1998، كان عملا شاقا وكان للصيف والشتاء حصة لا يستهان بها من تدمير حياته.

يستطرد الياسري “بعد مرور ستة أعوام على جلوسي في الحر والبرد، لم أعد أحتمل عملي هذا، لذا حملت حقيبتي وهدية عملي لي وهي ‘جلطة دماغية’ ويممت وجهي صوب المنفى، كان الأردن محطتي الأولى، ومنها وصلت كندا مطلع عام 2001 وما زلت أقيم في مدينة مونتريال حتى الآن”.

يضيف الشاعر “أعتقد أن المنفى قدم لي الكثير، قبلني عضوا في اتحاد كتاب كندا بعد أن ترجم لي عبدالواحد محمد مختارات شعرية للغة الإنكليزية، كما أنه ترجم لي مجموعة شعرية كاملة وصدرت مع المختارات الشعرية في كتاب واحد بعنوان ‘لم أتعلم شيئا‘ شارك في معرض مونتريال العالمي للكتاب، وأقامت لي أكثر من مكتبة في مونتريال حفل توقيع، وهناك أكثر من بيت يقرأني الآن. ضمّني المنفى إلى أنطولوجيا شعراء في العالم، أشركني في أكثر من مهرجان عالمي، علما أنني كنت ممنوعا في بلدي من المشاركة في مهرجاناته الشعرية المحلية ومن أهمها مهرجان ‘المربد‘ لأنني لا أمتهن مديح ‘الأبواب العالية‘”.

يتابع “لكن المنفى رغم كل هذه الهبات السخية أخذ مني أشياء ثمينة؛ أبعدني عن عائلتي، عن أصدقائي، عن بغداد التي أحبها، وجعل أمي ترحل ولم أحضر نزعها الأخير”.

بعد عقود من كتابة الشعر أسفرت عن إحدى عشرة مجموعة شعرية، ينظر الشاعر إلى ديوانه الأول “العبور إلى مدن الفرح” بمحبة، رغم  طغيان موضوعات قصائده على بنائه الفني ونبرة الصوت العالي فيه على الصوت المهموس، لأن جلَّ قصائده كُتبت في مرحلة ضاجة وصاخبة تتمثل في نكسة حزيران، التي فرضت حضورها على نصوص معظم شعراء تلك المرحلة، هو مؤمن بأن كل ما يكتبه يمثل مرحلة مهمة من مراحل تطوره الشعري، لذا فالديوان الأول شكّل في الوقت نفسه محطة انتقال نحو ضفاف أخرى أكثر تطورا من خلال استقرار المفردة الشعرية، وتشكيلات النص الشعري فنيا وبنائيا، مضيفًا “من أهم ما يتميز به الديوان الأول هو أنه وضع اللبنات الأولى لقاموسي الشعري، الذي يفصل بين صوتي وجلبة تصادم الأصوات الأخرى من حولي”.

الأدب والمرأة والواقع

شعر مفعم بالعزف على أوتار آلام إنسانية غائرة
شعر مفعم بالعزف على أوتار آلام إنسانية غائرة

التجربة الشعرية الثرية التي بدأها الشاعر منذ سبعينات القرن الماضي والتي أسفرت عن دواوين شعرية بارزة منها “فصول من رحلة طائر الجنوب” و”سماء جنوبية” و”شتاء المراعي” و”صمت الأكواخ” و”السلام عليك يا مريم”، تخللتها تجربة روائية وحيدة بعنوان “أيام قرية المحسنة” جاءت استجابة لمعطيات يوضحها الياسري بقوله “في مطلع خريف عام 1982 تعرضت لحالة قد لا تحدث حتى في أشد الكوابيس رعبا، كنتُ عائدا للتو من رحلة صيفية جميلة زرت فيها روما مدينة الفن والتاريخ وبلغاريا وهنغاريا، أنا أحب الأسفار، بعد يومين فقط من عودتي إلى بغداد وجدت نفسي محتجزًا في معتقل التسفيرات الرهيب، وبتهمة لا أحد يصدقها، دونتها في مذكراتي، مكثت في هذا المعتقل شهرا واحدا كان أطول من عمر، بعد مغادرتي المعتقل فُصِلت من عملي في الصحافة وعدت للتعليم، ومنعت من النشر، ولشدة الصدمة التي تعرضت لها فرضت على نفسي إقامة جبرية، وبعد عمل مُضن استمر ست سنوات كانت تلازمني فيها قريتي وناسها، كتبت فيها رواية ‘أيام قرية المحسنة‘”.

الحضور الأنثوي في قصائد الياسري يبرز في أكثر من موضع ويحمل أكثر من دلالة وهنا يلفت الشاعر إلى أنه منذ صباه  تعرّف على عالم المرأة السحري، كانت أول قصيدة كتبها أوحت بها صبيةٌ من صبايا قريته، أول قصيدة دخلت اللغة الإنكليزية قامت بترجمتها الشاعرة الأسترالية آن فيربيرن دون أن تعرفه، حاضرت عنها في أكثر من جامعة عالمية، وظهرت في موسوعة “الريشات والأفق” التي ضمت تسعين شاعرا من شعراء العربية، من الجواهري إلى السياب إلى البياتي ونازك الملائكة، ونزار قباني والفيتوري وصلاح عبدالصبور ومحمد الماغوط ومحمود درويش، وغيرهم.

يُبيّن الشاعر العراقي أن المرأة ليست حاضرة في قصائده فحسب، بل هي حضور يتجول في كل فاصلة من حياته الشخصية، هي شجرة الدردار التي تسند ثقل متاعبه، والهواء المنخول الذي يتنفسه، بل إن الكثير مما حققه شعريا يعود الفضل فيه إلى المرأة.

يرى الياسري أن الشعر من أكثر الفنون تمردًا على سلطة الوعي، فهو الابن الشرعي للمخيلة والحلم وعنابر الذاكرة واللاوعي والقليل من الجنون، والكثير من الطفولة، الشعر حالة خاصة جدا ولا سبيل إلى إخضاعها للتوصيف، فلا توجد قصدية في الشعر بأي حال، كما أن الزمن الشعري زمنٌ إنقاذي يسحبنا بعيدا عن الضغط الموجع لأزمتنا الذاتية، وهو الذي يعطي لزمننا الوجودي معناه وحقيقته، إنه شحنة صراخ قلقنا ومخاوفنا التي نواجه بها عالما كارثيا.

يؤمن الشاعر العراقي بأن حضور النص الشعري يكون مفاجئا، كما هو حضور زائرٍ لم ننتظر زيارته، ومن هنا تكون تهيئة مستلزمات الضيافة مسبقاً أمراً مستحيلاً. النص يحضر وهو يحمل معه معداته البنائية والفنية مكتملة ولا يطلب منا شيئا سوى تدوينه كما لو كان يُملّى علينا، لأنه أقام طويلا في حاضنة الذات قبل اندفاعته نحو ضوء الحياة.

ثمة مثالب يرى الياسري أنها تسببت في خراب الثقافة؛ منها غياب سلطة النقد الصحي والنظيف، وغياب الرقابة الفنية على الكتاب قبل طبعه، وانتشار الفوضى في الكثير من المؤسسات الثقافية.

15