عيسى قاسم لغم إيراني في الأرض البحرينية

الأحد 2017/05/14
شيخ أم زعيم

باريس - على مدى السنوات الماضية قدمت إيران عشرات، وربما مئات الأدلة على أنها الجار السيء في المنطقة العربية عموماً. ولم يعد خافياً على أحد ما تقوم به من أدوار استعمارية في كل من سوريا والعراق واليمن، دون أن ننسى لبنان بطبيعة الحال والذي يتحكم في مفاصل الدولة فيه تنظيم حزب الله وهو إحدى الميليشيات الإرهابية التابعة لإيران، والمنتشرة في عدد من المناطق.

إضافة إلى هذه الصورة الاستعمارية فإن “جمهورية المرشد” تحمل مشروعاً تخريبياً منظماً يتيح لها إشاعة الفوضى في الدول التي لم تستطع أن تدخلها عبر ميليشياتها.

وقد تم الكشف عن عدد من الجماعات التابعة لإيران والتي كانت تخطط لإحداث تفجيرات واغتيالات في كل من الكويت والبحرين والسعودية، وهي تحرص على استغلال أيّ كبيرة أو صغيرة لتضع نفسها خصماً للدول التي تعتبرها من وجهة نظرها معادية للشيعة، الذين تقول إيران إنها المسؤولة الأولى والأخيرة عنهم.

حدث ذلك في أعقاب قيام المملكة العربية السعودية بتنفيذ حكم الإعدام بسبعة وأربعين مواطناً سعودياً كان من بينهم رجل الدين الشيعي نمر باقر النمر والذين كان القضاء السعودي قد وجه لهم اتهامات أثبتتها الأدلة على الترويج للإرهاب، والدعوة إلى العبث بأمن المملكة، وقتها شنت إيران حرباً كلامية ضد العربية السعودية، واعتبرت أن إعدام “النمر” هو بمثابة اعتداء مباشر عليها، ولم يتوان واحد أو أكثر من كبار مسؤوليها عن التهديد بالرد العسكري، مع أن الحادثة برمتها شأن داخلي سعودي، في الوقت الذي لم تقم السعودية أو أيّ من دول الخليج الأخرى باعتبار قيام إيران بإعدام العشرات كل شهر تقريباً اعتداء عليها، حيث تصنف إيران من أكثر الدول تنفيذاً لأحكام الإعدام سنوياً.

شيخ أم زعيم

ولد عيسى أحمد قاسم سنة 1941 في قرية الدراز بالقرب من العاصمة البحرينية المنامة. كان والده يمتهن مهنة الصيد، وقد توفّي الأب وعيسى ما يزال في سن الرابعة من عمره. وتذكر بعض المصادر أنه ذو أصول فارسية وقد حصلت عائلته على الجنسية البحرينية.

بعد حصوله على شهادة الدراسة الثانوية انتقل مباشرة إلى كلية المعلمين ونال منها شهادة التدريس في سنة 1959، والتحق بمهنة التدريس عام 1960 فعمل مدرّساً للعلوم الدينية في المنامة. سافر بعدها إلى مدينة النجف العراقية حيث تخرج من كلية الفقه هناك، ونال درجة الليسانس في العلوم الإسلامية والشرعية. عاد بعد ذلك إلى البحرين فعمل في المدارس الحكومية ودرّس اللغة العربية والتربية الإسلامية في مدرسة الخميس الإعدادية لمدة عام واحد فقط. ثم رحل مرة أخرى إلى النجف والتحق بالدراسة الحوزوية عام 1970.

الجماعات التابعة لإيران والتي كانت تخطط لإحداث تفجيرات واغتيالات في كل من الكويت والبحرين والسعودية تحرص على استغلال أي كبيرة أو صغيرة لتضع نفسها خصما للدول التي تعتبرها من وجهة نظرها معادية للشيعة، الذين تقول إيران إنها المسؤولة الأولى والأخيرة عنهم

عام 1971 رشح نفسه للمجلس الوطني واعتبر نفسه رئيساً للكتلة الدينية في المجلس، وانتخب في العام 1973 لعضوية المجلس الوطني حتى حلِّه العام 1975.

ويعتبر آية الله قاسم ممثل التيار الولائي “ولاية الفقيه” في البحرين والمرشد الروحي لجمعية الوفاق البحرينية التي تم حلها في وقت سابق.

حزب الدعوة العراقي "البحريني"

كان قاسم قد عمل على إصدار ترخيص جمعية التوعية الإسلامية الذي تمت الموافقة عليه وأصبح أول رئيس لها، لكن الجمعية أغلقت في عام 1984 بعد أن تم اكتشاف أنها فرع “حزب الدعوة العراقي” في البحرين ونقطة انطلاقه، وفي ذات العام تمت محاكمة مجلس إدارتها وصدرت ضدهم أحكام بالسجن تراوحت من 5 إلى 7 سنوات.

غير أنه لم يكن من ضمن المتهمين في قضية “حزب الدعوة العراقي”، حيث غادر في عام 1992 البحرين إلى إيران خوفًا من القبض عليه، وقد ظل في إيران فترة تسعينات القرن العشرين، حيث نشط هناك وأصدر العديد من البيانات ضد البحرين، وذلك بمساعدة أعضاء حزب الدعوة البحريني.

وكان يقيم في مدينة قم الإيرانية حيث وواصل دراسته على أيدي أساتذتها الكبار أمثال آية الله السيد محمود الهاشمي وآية الله السيد كاظم الحائري وآية الله فاضل اللنكراني.

ورغم أنشطته المعارضة للبحرين إلا أنه صدر عفو عنه من العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة في 8 مارس 2001، وعاد إلى البحرين وأعيدت جمعية التوعية الإسلامية وتم الترخيص لها وبناء مقر حديث في الدراز.

قاسم كان يسعى لفرض سلطته على كافة أفراد الطائفة الشيعية في البحرين

في العام 2005 أسس قاسم “المجلس الإسلامي العلمائي” وتم ترشيحه لقيادة مجلسه في دورته الأولى، ويرى مراقبون أن قاسم كان يسعى لفرض سلطته على كافة الطائفة الشيعية في البحرين من خلال تلك المجالس والجمعيات الكثيرة التي ساهم بتأسيسها، وكان يعتبر أباً روحياً لها، وهي محاكاة لتجربة حزب الدعوة العراقي المرتبط كلياً بإيران. وظل قاسم رئيسًا للمجلس العلمائي حتى تمّ حلّه بحكم قضائي مؤخرًا، حتى اعتزل هو ومجموعة من رجال الدين وكلف كوادر الصف الثاني لتولي الإدارة.

يعتبر قاسم وكيل الخامنئي في البحرين، حيث يتولى جمع زكاة الخمس لأتباع وليّ الفقيه بجانب استلامه لأخماس عدد من المرجعيات تم توكيله عنهم. وكان له دور كبير في التظاهرات المطالبة بإسقاط النظام في البحرين منذ انطلاقها في فبراير 2011 بميدان اللؤلؤة، وكان قوله “الطوفان بدأ لا ليهدأ ولا يقف عند حدود بل شعاراً للمتظاهرين”. وكان أول من رفض دخول قوات درع الجزيرة المشتركة إلى البحرين لحمايتها من تدخل إيراني محتمل.

اليوم تعود إيران لتطل برأسها في شأن داخلي آخر في مملكة البحرين، هذه المرة، القضية تتعلق بحدث قديم جديد وهو محاكمة رجل الدين الشيعي البحريني عيسى قاسم والذي تتهمه المنامة باكتساب أموال متحصلة من جريمة جمع أموال من دون ترخيص.

نشاطات سرية

كشفت وثائق رسمية عن تورط قاسم في تهريب أموال طائلة لإيران والعراق منذ 2009 وممارسته نشاطات سرية عبر “مكتب البيان”، واستغلاله الحملات الدينية والمشاركين فيها وتهربه من الجهات المختصة في البحرين، وقد أرجأت المحكمة الجنائية الكبرى الرابعة في البحرين الحكم في هذه القضية حتى جلسة 21 مايو الجاري.

قضية عيسى قاسم قديمة وليست جديدة، إذ كانت السلطات البحرينية قد أسقطت الجنسية البحرينية عنه منتصف يونيو من العام الماضي متهمة إياه بالسعي لإثارة الانقسام المذهبي في البلاد.

وجاء في بيان وزارة الداخلية البحرينية وقتها أنه “تم إسقاط الجنسية البحرينية عن المدعو عيسى أحمد قاسم الذي قام منذ اكتسابه الجنسية البحرينية بتأسيس تنظيمات تابعة لمرجعية سياسية دينية خارجية، ولعب دوراً رئيسياً في خلق بيئة طائفية متطرفة، وعمل على تقسيم المجتمع تبعاً للطائفة وكذلك تبعاً للتبعية لأوامره”.

العاهل البحريني أصدر عفوا عن قاسم في 8 مارس 2001، وعاد إلى البحرين

ورداً على ذلك القرار انتهزت إيران الفرصة لتدلي بدلوها، فقد نقلت سي إن إن صيف العام الماضي تحذيرات المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي من انتهاء سلمية الاحتجاجات في البحرين بعد قرار السلطات البحرينية بإسقاط الجنسية عن رجل الدين الشيعي عيسى قاسم، حين اتهم خامنئي الحكومة في البحرين بـ”ممارسة الظلم” ضد أغلبية الشعب، على حد تعبيره.

وقال خامنئي “إننا نشاهد اليوم أن أقلية جائرة وأنانية تظلم الأغلبية. إنهم يتعرضون اليوم لعالم مجاهد مثل الشيخ عيسى قاسم وهذه الخطوة تنم عن الحماقة والبلاهة”، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية عن خامنئي خلال استقباله أسر ضحايا تفجير مقر الحزب الجمهوري الإسلامي في 27 يونيو عام 1981.

وأضاف أن “الشيخ عيسى قاسم هو الشخص الذي كان يضمن سلمية الاحتجاجات”، وتابع “هؤلاء الجهلة لا يدركون أن إقصاء الشيخ عيسى قاسم هو بمثابة إزالة الحواجز من أمام الشباب البحريني ضد الحكومة، وحين ذلك لا يمكن لأي شيء أن يحول دون هؤلاء الشباب”.

قال الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إن الإجراء الذي اتخذته الحكومة البحرينية من الممكن أن يشعل المنطقة بأكملها، مهدداً بظهور مقاومة مسلحة في البحرين.

العزف على هذا الوتر الطائفي الحساس الذي دأبت إيران على استغلاله لتحقيق أهدافها هو ما جعل حكومة البحرين حذرة تجاه التعامل مع قاسم وسواه من رجال الدين الذين لا يخفون ولاءهم لإيران وتسويقهم لفكرة ولاية الفقيه التي تمكّن إيران من التمدد. لذلك فقد حرصت الأجهزة القضائية البحرينية على تقديم كافة ما يلزم من دلائل لتجريم قاسم ومن معه، وقد استندت إلى كشوفات بنكية تؤكد تلك الاتهامات، كما كشفت تلك التحقيقات أن “مكتب البيان” الخاص بقاسم كان بمثابة “مكتب العمليات الخاصة” وهو مكتب غير مرخص ويعمل خارج الإطار القانوني للدولة، حيث عثر على مستندات وأوراق مالية تثبت أن قاسم كان يجمع أموالا منذ سنة 2009 إلى سنة 2016 بشكل خفيّ عن أنظمة وقوانين الدولة وتهربا منها. وأكدت تلك المعلومات أن قاسم كان يستغل المراكز الدينية في عمليات جمع الأموال وإرسالها إلى الخارج بطرق غير مشروعة، كما تبين أن التحويلات تكون بشكل نقدي وعبر استغلال سفر الحملات الدينية كالمجموعات التي تنظمها تلك المراكز والجمعيات بالإضافة إلى الأشخاص الذين يستغلون في نقل تلك الأموال مقابل مبالغ مالية أو تحت تأثير الوازع الديني لهدف تحقيق ما يصبو إليه ألا وهو نقل الأموال بطرق غير مشروعة.

وثائق رسمية تكشف عن تورط عيسى قاسم في تهريب أموال طائلة لإيران والعراق منذ العام 2009، وممارسته نشاطات سرية عبر مكتب البيانواستغلاله الحملات الدينية والمشاركين فيها، وتهربه من الجهات المختصة، وقد أرجأت المحكمة الجنائية الكبرى الرابعة في البحرين الحكم في هذه القضية حتى جلسة 21 مايو الجاري

وبينت المعلومات التي استندت إليها السلطات البحرينية في توجيه اتهامها العلاقة السرية المالية التي تربط بين مكتب البيان “غير المرخص” وجمعية التوعية الإسلامية التي يديرها بشكل مباشر قاسم نفسه، حيث كانت التعليمات الإيرانية والعراقية تصل عبر مكتب البيان إلى عدد من الجمعيات والمراكز التي كان قاسم يقوم بالتبرع ببعض الأموال لها لتنفيذ تلك الأجندات. وترجّح السلطات البحرينية أن تلك الأموال قد استخدمت لتنفيذ العمليات الإرهابية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية، وأن الهدف دائماً هو نشر الفوضى في المجتمع البحريني وإشعال فتيل الاقتتال الطائفي الذي سيعرّض الدولة لخطر كبير.

سفير الأسد يحذر

كما حدث منذ أن بدأت قضية قاسم بالظهور للرأي العام باعتباره أحد المحرضين على الفتنة في البحرين فإن إيران لم تدخر جهداً طيلة فترة محاكمته التي تم تأجيل الحكم فيها عدة مرات للتحريض ضد مملكة البحرين واعتبار أن “المساس” بقاسم هو مساس بها، دون أن توضح ما هي العلاقة التي تربطها بقاسم، مع أنها اعتبرت في أعقاب سحب الجنسية منه أنه ليس مواطناً إيرانياً حصل على الجنسية البحرينية، كما قالت بعض الجهات البحرينية، بل هو مواطن بحريني أصيل.

الأمر لم يقتصر على إيران وأذرعها الخبيثة في المنطقة مثل منظمة حزب الله في لبنان كما جرت العادة، لكنه امتد ليشمل سفير النظام السوري في لبنان علي عبدالكريم علي الذي قال معلقاً على محاكمة قاسم “إن البحرين تحاول تأجيج الصراعات الطائفية”. بالطبع سفير نظام الأسد لا يعتبر ما تفعله إيران أكبر حلفاء نظامه في سوريا والعراق تأجيجاً للصراعات الطائفية، ولا يعتبره اعتداء على كل ما له علاقة بالإنسانية.

أما اليوم فمن المؤكد أن البحرين قررت أن تطوي هذه الصفحة من تاريخها لأن السموم التي تريد إيران بثها في البلد الخليجي الصغير كفيلة بإحداث خلل كبير فيه ستمتد نيرانه بلا شك إلى باقي دول المنطقة،

وهذا ما تسعى إليه طهران منذ أن أعلن الخميني قائد ما يسمّى بالثورة الإسلامية فيها أن ثورته المزعومة تلك ستمتد إلى ما وراء الحدود، لذلك فإن الموضوع بكل تأكيد لا يتعلق بعيسى قاسم ولا بقضيته

وستجد طهران مزيداً من الذرائع كل مرة لتتدخل في شؤون جيرانها وتعبث بأمنهم واستقرارهم.

7