عيش الحاضر كأنه الخلود

الأربعاء 2017/11/08

لحظة الانتباه إلى حياتنا التي تفلت من قبضتنا، يتوجب علينا الهرب من أعباء الماضي التي تحمل أرواحنا بعضا من الندم، وتشعرنا بأننا أخطأنا تجاه القضية الفلانية والموقف الفلاني، وينبغي لنا كي تتعادل ظروف الزمن وتبقينا في الحاضر الذي بين أيدينا، لا بد من إهمال التفكير المضني بالمستقبل، وهو تفكير الخائف المتردد الذي يجهل ما ستصير إليه أمور حياته في الغد.

هذه إحدى مستلزمات حياتنا القلقة في منطقتنا الملتهبة، فالشرق الأوسط بحروبه ومفاجآته وبحدوث ما لا نتوقعه كل صباح من المفاجآت والحوادث يجعلنا نقف في حالة من التردد والتمزق الروحي، لا نملك من أمر حياتنا سوى ومضة حاضر حافلة بالمصاعب، لكنها تبقى الحقيقة الوحيدة التي نعرف، والزمن الوحيد الذي بوسعنا عيشه من الصباح حتى المساء.

نحاول النجاة من ذلك الماضي وتراكماته وأخطائه وإخفاقاته، ونخدع أنفسنا بأحلام متكررة عن غد تغمره النعمة والسلام والمحبة، ولكننا لا نستطيع القيام بما يجعله حقيقة، فكل ما يحيطنا من بيئة وبشر ومتغيرات وموروث يثقل ذاكرتنا، يحبط مشاريع عبورنا إلى المستقبل المرجوّ، ويحفزّنا على التلبث في الحاضر، يهمس لنا ذلك المستحيل الماثل أمامنا: عش أيها الإنسان هذه البرهة التي ستنتهي، لا تفكر بالخلود الذي بحث عنه غلغامش متوهما أنه سيحيا إلى أبد الآبدين،عش بما بين يديك، عش مع من معك الآن قبل أن يغادرك، عش الحب المتاح لا تنتظر الحب النموذجي الذي صورته لك رؤاك وشطحات المخيلة، تمتع بطقس الخريف البهي قبل أن يهاجمك صقيع الشتاء، لا تفكر بالبرد قبل أن تتمتع باعتدال الخريف المتاح، لا تنظر إلى الوراء وتتمتم مع نفسك: لماذا تصرفت على هذا النحو مع الشخص الفلاني، ولماذا اتخذت موقفا مترددا من قضية ما وكان يجب أن أكون أكثر حسما ووضوحا.. فلتدع هذه الموجات المتناوبة من الندم الممض، وعليك التخفف من وطأة الأحلام الكبرى لصالح لحظة ممكنة العيش، يمكننا أن نأمل وأن نحب وأن نحلم، إنما علينا ألاّ نضحّي بيومنا من أجل ما هو غير مؤكد ولا يمكن الإمساك به.

ثمة من يقول إن الاستغراق في الخيال هو سبب أكيد من أسباب الجبن، لكن هناك من يقول بالفكرة النقيضة: إن موت الخيال يعني ازدراء الحياة ووعودها الساحرة، ومن هذين النمطين المتناقضين لرؤية الخيال بوسعنا أن نختار القليل من الخيال الممتع وأن نستعيد بعض مباهج ذاكرة الماضي وأن نحب قدر ما نستطيع كل ما يمنحنا الإحساس بالجمال والتخفف من أثقال الخوف المحبطة.

لقد كرستنا الحروب الأهلية والاحتلال والعنف والتشدد لقتامة يومية ومخاوف كانت تتنوع حسب ساعات الليل والنهار، ولكنها علّمتنا في الوقت ذاته أن نقاوم هذا الخوف ونصاحبه لنتغلب عليه، أن نعترف بالموت كحقيقة الحياة ذاتها فلا نرهبه بالطريقة التي تسمّم حياتنا،

بل نعدّ أنفسنا لكل مفاجآت القدر ونحن نحيا على السّراط الرفيع الممتد بين الطلقة والجسد، علمتنا الحروب أن نحمل الحياة والموت على محمل القبول ونتعايش مع سعاداتنا الصغيرة المتاحة قبل أفولها.

هذا هو موقفنا الحازم في حياتنا المحدودة إزاء الأكاذيب الكبرى التي تدّعيها القوى المهيمنة عن أزمنة الوفرة والديمقراطية التي ستنجبها الحروب والثورات: أن نلتفت للتكاتف الإنساني الممكن ونصنع ما بوسعنا من جماليات قد تطيل أمد اللحظة العابرة.

كاتبة عراقية

14