عين الحكومة التونسية على تعويم الدينار لمواجهة الأزمة

تتجه تونس بخطى متسارعة نحو تحرير عملتها النقدية، الأمر الذي يعني بالضرورة تغييرا كليا في ملامح السياسة النقدية للبلاد بعد اعتماد تونس، منذ عقود، نظاما نقديا حمائيا لفائدة الدينار أمام باقي العملات الرئيسية في سوق الصرف.
الاثنين 2016/11/14
بداية أزمة جديدة

تونس – أكدت أوساط اقتصادية في تونس أن الحكومة تتجه نحو تعويم الدينار بسبب الضغط المسلط عليها من صندوق النقد الدولي لإصلاح اقتصادها المتدهور. ورجحوا تنفيذ الخطوة مع مطلع العالم القادم.

ولم تكشف الحكومة عن خطط من هذا النوع في الآونة الأخيرة، لكن العديد من التقارير الصادرة عن منظمات مالية دولية رجّحت هذه الفرضية حول إقدام تونس على تحرير عملتها، ما سيزيد من معاناة المواطنين وسيعمق ضعف قدرتهم الشرائية.

وقال الخبير الاقتصادي مراد الحطاب في مقابلة مع إحدى الإذاعات المحلية الخاصة، “إن هناك قرارا سياسيا سيقع اتخاذه في هذا الشأن.. ويؤسفني جدا أن أُعلم به جميع التونسيين”، قبل أن يضيف قائلا “سيقع تعويم الدينار على غرار ما حصل مؤخرا مع الجنيه المصري”.

وأشار الحطاب إلى أن الدينار التونسي سينهار إلى ما لا يقل عن 30 بالمئة من قيمته خلال الفترة القادمة.

والمقصود بتعويم الدينار، هو تحرير العملة التونسية في تداولات سوق الصرف أمام العملات الرئيسية على غرار عملات الشرق الأوسط.

ويتوقع أن يرفع البنك المركزي التونسي، المسؤول عن السياسات النقدية في البلاد، يده عن العملة المحلية بشكل كامل ليتركها تتحرك بكامل حريتها، بحسب قانون العرض والطلب في سوق الصرف.

5 بالمئة نسبة النمو الذي تستهدفها تونس بحلول 2020، إذا تم تطبيق الإصلاحات

وكشفت وثيقة حكومية قدمت لصندوق النقد أن هناك نية لـ”تغيير نمط التدخل الحكومي في ما يتعلق بتعديل نسب صرف الدينار مقابل العملات الأجنبية واستعدادها لإعادة صياغة قانون صرف الدينار مقابل العملات الأجنبية”.

وأشارت إلى أن الحكومة ستعتمد قانونا جديدا الهدف منه هو تحرير المبادلات الخارجية الدولية، وذلك وفقا المعايير المعتمدة في أنظمة الصرف العالمية، وبموجب هذا الإجراء فإنه سيتم التخفيض في قيمة العملة تدريجيا مقابل العملات الدولية الأجنبية.

وفي ظل القلق السائد بشأن الوضع الاقتصادي في تونس، فإن التعاطي الرسمي مع الوضع المالي للبلاد يبدو غير ملائم خاصة مع تصريحات كبار المسؤولين في البنك المركزي خلال الفترة الماضية، حول احتمال إفلاس عدد من المصارف.

ويسجل الدينار التونسي، منذ شهر يونيو الماضي، أدنى مستويات له منذ سنوات حيث سجل، أمس، أمام اليورو 2.46 دينار، وأمام الدولار 2.26 دينار، وهي مستويات قياسية لانخفاض العملة التونسية مقابل العملات الدولية الكبرى.

وكان الدينار يباع العام الماضي عند مستوى 2.13 دينار بالنسبة إلى اليورو، أي بتراجع يقدر بنحو 14 بالمئة، و1.9 دينار بالنسبة إلى الدولار، أي بتراجع يقدر بنحو 12.2 بالمئة.

ومن شأن هذه الخطوة أن تتسبب في الكثير من التداعيات السلبية على الاقتصاد التونسي، إذ أن الأسعار سترتفع بشكل كامل دون الاقتصار على الأسعار الموردة.

مراد الحطاب: سيقع تعويم الدينار على غرار ما حصل مؤخرا مع الجنيه المصري

ويتوقع الحطاب حدوث “فوضى في الأسعار” في المدى القريب تشمل المواد الاستهلاكية وغيرها، وهو ما سيزيد في نسبة التضخم، بحيث تدخل في حالة انهيار قطاعي وينتج عن ذلك حدوث رجات اجتماعية.

ويرجع انزلاق مستوى قيمة العملة التونسية، بحسب ما أكده خبراء اقتصاد استطلعت آراؤهم “العرب”، إلى اعتزام البنك المركزي وللمرة الأولى في تاريخه عدم التدخل لحماية الدينار في سوق الصرف، وهو ما يعني في نظرهم بداية حقبة تحرير الدينار.

ويقول الخبير معز العبيدي، إن أسباب هيكلية تشمل ضعف القدرة التنافسية للاقتصاد التونسي وعدم التنوع الاقتصادي وتأثر الدينار بالاضطرابات التي شهدتها البلاد، كانت وراء تراجع قيمة الدينار.

ويفسر العبيدي عدم تدخل البنك المركزي لضمان استقرار الدينار بأنه جاء استجابة لطلب صندوق النقد بتحرير العملة، حيث يرى أن خفض قيمة الدينار سيؤدي إلى رفع حجم الصادرات التونسية، وهو ما سيدفع الاقتصاد التونسي نحو النمو.

وكان صندوق النقد الدولي قد وافق، في مايو الماضي، على منح تونس قرضا بقيمة 2.9 مليار دولار، ودعا إلى ضرورة اعتماد المزيد من المرونة في سعر الصرف على الاحتياطيات النقدية بما يتيح استخدامها في مواجهة ما يطرأ من صدمات خارجية.

وانعكس الوضع السياسي المتذبذب، على قطاع السياحة، الذي بدأ يستعيد عافيته تدريجيا، ما تسبب في تعليق العديد من خطوط الطيران الأوروبية رحلاتها إلى تونس، مما تسبب في نقص في الاحتياطيات النقدية من العملة الصعبة في البنك المركزي.

كما أدى تراجع إنتاج الفوسفات إلى انخفاض الصادرات، لا سيما إلى الاتحاد الأوروبي الذي يستورد 70 بالمئة من إجمالي المبادلات التجارية مع تونس، ما أسهم في انخفاض حجم الطلب على السلع التونسية.

وشرعت حكومة يوسف الشاهد منذ توليها السلطة في نهاية أغسطس الماضي، في تنفيذ حزمة من الإصلاحات والإجراءات التقشفية لتغطية العجز في الموازنة. وتقول إن الإصلاحات ستوفر لتونس نحو ملياري دولار خلال السنوات الخمس المقبلة.

وتتوقع أن تكون تونس قادرة على تحقيق نسب نمو بنحو 5 بالمئة بحلول العام 2020 وربما أكثر إذا استمرت وتيرة الإصلاحات الاقتصادية. ومن المتوقع أن ينمو اقتصاد تونس بنسبة 2.5 بالمئة في العام المقبل.

10